الفكر الإسلامي مواجهة حضاریة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢٧ - الإسلام وفلسفة النور
يتخذ من المعرفة قوة تُضارع قوة الأرباب. الإسلام يخالف كل هذه الآراء جميعًا.
هكذا تُبيِّن لنا النصوص الشرعية حقيقة الكون، فيقول الله سبحانه: إِنَّ رَبَّكُمُ اللّهُ الَّذي خَلَقَ السَّماواتِ وَ اْلأَرْضَ في سِتَّةِ أَيّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ اْلأَمْرَ ما مِنْ شَفيعٍ إِلّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذلِكُمُ اللّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَ فَلا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعًا وَعْدَ اللّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّالِحاتِ بِالْقِسْطِ وَ الَّذينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرابٌ مِنْ حَميمٍ وَ عَذابٌ أَليمٌ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٤) هُوَ الَّذي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِياءً وَ الْقَمَرَ نُورًا وَ قَدَّرَهُ مَنازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنينَ وَ الْحِسابَ ما خَلَقَ اللّهُ ذلِكَ إِلّا بِالْحَقِ يُفَصِّلُ اْلآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ [١].
فالله خالق السماوات، ولكنه غير عاجز منها، بل هو الآن قد استوى على عرش القدرة والعلم يدبر أمور الكون. والأرباب التي تصورها الفلسفات وسائط بين الله والخليقة، والأرباب التي تصورها الفلسفة الأوروبية باسم القوانين الطبيعية قد يكون لها تأثير في الحقائق ولكنه تأثير مأذون فيه. وهو رحمن، خلق الأشياء في مصلحة الإنسان، لا لكي يضرّ بهم. كذلك الله.
وفي آية أخرى، كل شيء يُنسب إلى الله حتى الحوادث التي تجري حسب السنن الكونية؛ لأنها كلها تجري بأمر الله وبقدرته المباشرة. قال الله سبحانه: وَ اْلأَرْضَ مَدَدْناها وَ أَلْقَيْنا فيها رَواسِيَ وَ أَنْبَتْنا فيها مِنْ كُلِ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (١٩) وَ جَعَلْنا لَكُمْ فيها مَعايِشَ وَ مَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرازِقينَ (٢٠) وَ إِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَ ما نُنَزِّلُهُ إِلّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١) وَ أَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ فَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَسْقَيْناكُمُوهُ وَ ما أَنْتُمْ لَهُ بِخازِنينَ (٢٢) وَ إِنّا لَنَحْنُ نُحْيي وَ نُميتُ وَ نَحْنُ الْوارِثُونَ [٢].
وفي آية أخرى: إِنَّ اللّهَ يُمْسِكُ السَّماواتِ وَ اْلأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَ لَئِنْ زالَتا إِنْ أَمْسَكَهُما مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كانَ حَليمًا غَفُورًا [٣].
والله يقوم بتدبير أمور الإنسان أيضًا .. ففي آية كريمة: وَ إِنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلّا هُوَ وَ إِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِ شَيْءٍ قَديرٌ [٤]. وهو رقيب شديد الرقابة على عمل الإنسان، ففي آية شريفة: أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَ ما فِي اْلأَرْضِ ما يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلّا هُوَ رابِعُهُمْ وَ لا خَمْسَةٍ إِلّا هُوَ سادِسُهُمْ وَ لا أَدْنى مِنْ ذلِكَ وَ لا أَكْثَرَ إِلّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ ما كانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ
[١] سورة يونس، آية: ٣- ٥.
[٢] سورة الحجر، آية: ١٩- ٢٣.
[٣] سورة فاطر، آية: ٤١.
[٤] سورة الأنعام، آية: ١٧.