موسوعة الامام الخوئي - الخوئي، السيد أبوالقاسم - الصفحة ٢٥ - الكلام في التجرِّي
يدرك
أنّ الفعل المذكور تعدٍّ على المولى وهتك لحرمته، وخروج عن رسوم عبوديته،
وأنّ الفاعل يستحق الذم واللوم، كيف ولا خلاف بين العقلاء في حسن الانقياد
عقلاً، بمعنى أنّ العقل يدرك أ نّه جري على وظيفة العبودية، وأنّ الفاعل
مستحق للمدح والثناء، ولذا أنكر عدّة من العلماء دلالة أخبار من بلغ على
الاستحباب الشرعي، وحملها على أنّ المراد إعطاء الأجر والثواب من باب
الانقياد، مع أنّ الانقياد والتجري - مع التحفظ على تقابلهما - من وادٍ
واحد، فكما أنّ الانقياد حسن عقلاً بلا خلاف بين العقلاء، كذلك لا ينبغي
الشك في أنّ التجري قبيح عقلاً.
فالانصاف: أنّ الدعوى الاُولى - التي هي بمنزلة الصغرى، وهي قبح الفعل
المتجرى به عقلاً - ممّا لا مناص من التسليم بها. وأمّا الدعوى الثانية -
التي هي بمنزلة الكبرى، وهي أنّ قبح الفعل عقلاً يستلزم حرمته شرعاً، وحسن
الفعل عقلاً يستتبع وجوبه شرعاً لقاعدة الملازمة - فهي غير تامّة. وقاعدة
الملازمة أجنبية عن المقام، بيان ذلك:
أنّ حكم العقل إنّما هو بمعنى إدراكه ليس إلّا، فتارةً يدرك ما هو في سلسلة
علل الأحكام الشرعية من المصالح والمفاسد، وهذا هو مورد قاعدة الملازمة،
إذ العقل لو أدرك مصلحة ملزمة في عمل من الأعمال، وأدرك عدم وجود مزاحم
لتلك المصلحة، علم بوجوبه الشرعي لا محالة، بعد كون الأحكام الشرعية تابعة
للمصالح والمفاسد. وكذا لو أدرك مفسدة ملزمة بلا مزاحم، علم بالحرمة
الشرعية لا محالة.
لكن الصغرى لهذه الكبرى غير متحققة أو نادرة جداً، إذ العقل لا يحيط
بالمصالح الواقعية والمفاسد النفس الأمرية والجهات المزاحمة لها، ولذا ورد
في