منهج في الإنتماء المذهبي - صائب عبد الحميد - الصفحة ١٦٧
٦ - وبعد، فإن كل ما تقدم يبسطه الإمام عليه السلام في واحدة من نفائس خطبه، وهي الخطبة المسماة ب " الشقشقية " وتشمل على الشكوى من أمر الخلافة، ثم ترجيح صبره عنها، ثم مبايعة الناس له [١]، قال فيها:
" أما والله لقد تقمصها [٢] فلان وإنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحا، ينحدر عني السيل، ولا يرقى إلي الطير.
فسدلت دونها ثوبا، وطويت عنها كشحا.
وطفقت أرتئي بين: أن أصول بيد جذاء [٣]، أو أصبر على طخية [٤] عمياء، يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير،
<=
وحديثه عليه السلام هذا في النثر والنظم موجه إلى أبي بكر وعمر، فعلى الوجه الأخير، قال ابن
أبي الحديد: أما النثر فإلى عمر توجيهه، لأن أبا بكر لما قال لعمر - في السقيفة - أمدد يدك، قال له
عمر: أنت صاحب رسول الله في المواطن كلها، فهلا سلمت الأمر إلى من قد شركه في ذلك، وزاد
عليه بالقرابة! وأما النظم فموجه إلى أبي بكر لأنه حاج الأنصار في السقيفة فقال: نحن عترة رسول
الله صلى الله عليه وآله وسلم، فلما بويع احتج على الناس بالبيعة وأنها صدرت عن أهل الحل والعقد.
فقال عليه السلام: أما احتجاجك على الأنصار بأنك من بيضة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم
فغيرك أقرب إليه منك، وأما احتجاجك برضا الجماعة بك، فقد كان قوم من جملة الصحابة غائبين لم
يحضروا العقد فكيف يثبت!
وأما على الوجه الأول، فهو عليه السلام يستنكر أن تكون الصحابة والقرابة شرطا كافيا للخلافة،
بل لا بد من مرجح حقيقي، كالنص من النبي صلى الله عليه وآله وسلم والأهلية لهذا الأمر.
وأما النظم فسوف يكون فيه هنا مزيدا من الاستنكار، فهو مع استنكاره الاحتجاج بالصحابة
والقرابة في هذا الأمر، يقول إنهما لم يتما لأبي بكر بل إنها جميعا عنده عليه السلام أتم وأكمل.
وأيا كان النص الصادر عنه عليه السلام فهو نص صريح على حقه في الخلافة، وأنه عليه السلام
أولى بها من غيره. [١]هكذا وصفها في المصدر: ٤٨ الخطبة رقم - ٣ -. [٢]تقمصها: لبسها كالقميص. [٣]الجذاء: المقطوعة. [٤]طخية: ظلمة.