تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٤٠٣ - ٤٠٤ ـ إبراهيم بن سعد الحسني الزاهد
شخصك عني ثلاثة أيام ولا تطعم شيئا. ففعلت ما أمرني ، فمشيت معه على ساحل البحر فحرك شفتيه ، فإذا رف من سمك شائلة رءوسها من الماء رف فوق رف ، فاتحة فاه كالمشيرة بالسلام إلى إبراهيم بن سعد العلوي ، فقلت في نفسي : لو كان بشر الصياد هاهنا طرح شبكته على هذه الحيتان لاصطاد منها شيئا كثيرا ، فما تم ذلك في نفسي حتى غاص السمك كله في الماء ، والتفت إليّ إبراهيم فقال : إيش عرض في نفسك؟ فقلت له : عرض في نفسي كذا وكذا ، فقال : يا أبا الحارث ما أنت برادّ بهذا الأمر. ورأيت الشيخ إبراهيم كأنه وجد فقال : يا أبا الحارث قطعت أكثر شرق الإسلام وغربه أو بعضه على السياحة والتوكل ، ورأيت أن البر والبحر لواحد ، فاستعملت لنفسي جلبة فركبت فيها وحدي ولججت هذا البحر ـ يعني بحر الروم ـ يرفعني موج ويحطني آخر ، فبينا أنا كذلك إذا بحوت قد أقبل إليّ فاتح فاه ، يريد يبتلعني ويبتلع الجلبة ، فقلت في نفسي : تخلّفي عن هذا الحوت يضعف إيماني ، ويشين بغيتي فطفرت من الجلبة إلى فكي [١] الحوت فركعت فيه ركعتين ثم رجعت إلى الجلبة وخرجت إلى البر وأنا في هذا الجبل يعني اللكام [٢] انتظر ما ينتظر الموحدون لله عزوجل.
أنبأنا أبو علي الحداد ، أنا أبو نعيم الأصبهاني [٣] ، نا عبد المنعم بن عمر [٤] ، نا الحسن بن يحيى ، قال : قال محمد بن محبوب العماني : سمعت أبا الحارث الأولاسي يقول : خرجت من مكة في غير أيام الموسم أريد الشام ، فإذا أنا بثلاثة نفر على جبل ، وإذا هم يتذاكرون الدنيا ، فلما فرغوا أخذوا يعاهدون الله أن لا يمسوا ذهبا ولا فضة. فقلت : وأنا أيضا معكم ، فقالوا : إن شئت. ثم قاموا فقال أحدهم : أما أنا فصائر إلى بلد كذا وكذا. وقال الآخر : أما أنا فصائر إلى بلد كذا وكذا. وبقيت أنا وآخر فقال لي : أين تريد؟ فقلت : أريد الشام. فقال : وأنا أريد اللكّام. فكان إبراهيم بن سعد العلوي ، فودع بعضهم بعضا وافترقنا. فمكثت حينا أنتظر أن يأتيني كتابه فما شعرت يوما وأنا بأولاس فخرجت أريد البحر وصرت بين الأشجار إذا برجل صاف قدميه يصلّي فاضطرب قلبي
[١] غير واضحة بالأصل ولعل الصواب ما أثبت.
[٢] اللكام بالضم وتشديد الكاف وهو الجبل المشرف على أنطاكية وتلك الثغور (معجم البلدان).
[٣] حلية الأولياء ١٠ / ١٥٦.
[٤] في الحلية : «عمرو».