تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ١٥ - ٢٦٧ ـ أحمد بن مسلمة بن جبلة بن مسلمة بن أوفى بن خارجة بن حمزة بن النعمان صاحب رسول الله
الدرجة الخامسة من درجات العارفين. وأما قولك متى تسكن الحكمة الصدر؟ حتى يراك الله وقد أعتقت رقبتك من أن تكون مملوكا لامرأتك وأجيرا لولدك. قلت : يا راهب فما أوّل قيادة القلب إلى الزهد في الدنيا والرّضا بالقسم؟ قال : بإماتة الحرص وبذبح حنجرة المطعم ، فإن كثرة المطعم تميت القلب كما يموت البدن. قلت : يا راهب فأكون معك وأقيم عليك؟ قال : وما أصنع بك؟ وأي أنس لي فيك؟ ومعي عاطي الأرزاق ، [و] [١] قابض الأرواح يسوق إليّ رزقي في وقته ، ولم يكلفني حمله ولا يقدر على ذلك أحد غيره.
ثم قال لي : يا فتى طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد لم يره ، كما لا يجوز فيكم الشريف [٢] كذا لا يجوز كلامكم إلّا بنور الإخلاص ، كم من صلاة قد زخرفتموها بآية من كتاب الله كما تزخرف الفضة السّوداء بالبيضاء للناظرين إليها حتى ينظروا بنور الإخلاص لا فساد لها ، عند إصلاح الضمائر تكفير الكبائر ثم قال : يا فتى إن العبد إذا أضمر على ترك الآثام أتاه القنوع. ثم قال : يا فتى ربما استنظرني [٣] الفرج من مجلسي إلى الصّلاة ، ولربما رأيت القلب يضحك ضحكا ، وأهل الليل في ليلهم ألذّ من أهل اللهو في لهوهم ، يا فتى همة العاقل النجاة والهرب ، وهمّة الأحمق اللهو والطرب. ثم قال : يا فتى إذا أضمر العبد على الزهد في الدنيا تعلق قلبه في الملكوت الأعلى ، نظر إلى الدنيا بعين القلّة فنظره إلى ما فيها عبرة وسكوته عن القول مغنم وذلك عند ما ينال الدرجة السادسة. قلت : يا راهب ، فما أول الدرجات التي يقطع فيها المريدون وهي باب الإرادة؟ قال : رد المظالم إلى أهلها ، وخفة الظهر من التبعات ، فإن العبد لا تقضى له حاجة وعليه مظلمة لا تبعة. قلت : يا راهب ، ما أفضل الدرجات؟ قال : الصبر على البلاء ، والشكر على الرخاء ، وليس فوق الرضا درجة وهي درجة المقربين. ثم عاد بالكلام على نفسه فأقبل يعاتبها وهو يقول : ويحك يا نفس ، ما إن أراك في تقلبك ومثواك أثبت إلّا الفرار من الحق والموت يقفوك ، فأين تفرين ممن أنت له عاصية وهو إليك محسن ثم قال : إلهي وسيدي أنت الذي سترت عيوبي ، وأظهرت محاسني حتى كأني لم أزل أعمل بطاعتك. إلهي أنا الذي أرضيت عبادك بسخطك فلم تكلني إليهم
[١] الزيادة عن المختصر.
[٢] المختصر ، وبالأصل «الزيف».
[٣] في المختصر : استطربني الفرح.