تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٨٤ - ٣٦٥ ـ إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر أبو إسحاق التميمي ، ويقال العجلي الزاهد
رحمك الله لعل الله ينفعنا به يوما ، ثم سألته الثانية. قال : لا ، ويحك اشتغل بالله ، فقلت له الثالثة إن رأيت رحمك الله لعل الله ينفعني به يوما ما. قال : كان أبي من ملوك خراسان وكان من المياسير ، وكان قد حبّب إليّ الصّيد ، فبينا أنا راكب فرسي وكلبي معي ، فأثرت ثعلبا أو أرنبا ـ شك إبراهيم ـ فحركت فرسي ، فأسمع نداء من ورائي : يا إبراهيم ليس لهذا خلقت ولا بهذا أمرت ، فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلم أر أحدا ، قلت : لعن الله إبليس ، ثمّ حركت فرسي فأسمع نداء أجهر من الأول : يا إبراهيم ليس لهذا خلقت ولا بهذا أمرت ، فوقفت مستمعا أنظر يمنة ويسرة فلم أر أحدا ، فقلت : لعن الله إبليس ، ثم حرّكت فرسي فأسمع من قربوس [١] سرجه : يا إبراهيم بن أدهم والله ما لهذا خلقت ولا بهذا أمرت ، فوقفت فقلت : هيهات هيهات جاءني النذير [٢] من ربّ العالمين ، والله لا عصيت ربي بعد يومي هذا ما عصمني ربي ، فتوجهت إلى أهلي فجانبت [٣] فرسي ، وجئت إلى بعض رعاة أبي ، وأخذت منه جبّته وكساء وألقيت ثيابي إليه ، فلم تزل أرض ترفعني وأرض تضعني حتى صرت إلى بلاد العراق فعملت بها أيّاما ، فلم يصف لي شيء من الحلال ، فسألت بعض المشايخ عن الحلال فقالوا : إن أردت الحلال فعليك ببلاد الشام ، فصرت إلى مدينة يقال لها المنصورة ـ وهي المصّيصة [٤] ـ فعملت بها أياما فلم يصف لي شيء من الحلال ، فسألت بعض المشايخ عن الحلال فقال لي : إذا أردت الحلال فعليك بطرسوس [٥] فإن بها المباحات والعمل الكثير ، فبينما أنا كذلك قاعد على باب البحر [٦] ، جاءني رجل فاكتراني أنظر إليه بستان ، فتوجهت معه ، فمكثت في البستان أياما كثيرة ، فإذا أنا بخادم قد أقبل ، ومعه أصحاب له ـ ولو علمت أن البستان لخادم ما نظرته ـ فقعد في مجلسه هو وأصحابه فقال : يا ناطور يا ناطور ؛ فأجبته فقال : اذهب فائتنا بخير رمّان تقدر عليه وأطيبه ، فأتيته فأخذ الخادم رمانة وكسرها فوجدها
[١] القربوس : حنو السرج ، وللسرج قربوسان ، مقدم فقيه العضدان وهما رجلا السرج ، ويقال لهما حنواه ، والقربوس الآخر فيه رجلا المؤخرة ، وهما حنواه (انظر اللسان والقاموس).
[٢] إعجامها غير واضح بالأصل والمثبت عن الحلية.
[٣] الحلية : فخليت عن فرسي.
[٤] المصيصة مدينة على شاطئ جيحان من ثغور الشام بين أنطاكية وبلاد الروم تقارب طرسوس (ياقوت).
[٥] طرسوس مدينة بثغور الشام بين أنطاكية وحلب وبلاد الروم (معجم البلدان).
[٦] كذا بالأصل وحيلة الأولياء ، وفي المختصر : باب المرّ.