المفردات في غريب القرآن - مع ملاحظات العاملي (الكوراني) - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١٨١ - ثَبَرَ
الآية بيُثَبِّطُوكَ ويحيروك ، لا يصح ، بل معناه ليُثْبِتُوكَ جريحاً ، فإن أثبته إذا أطلقت كانت بمعنى جَرَحَهُ وَأَقْعَدَهُ ، إلا إذا وجدت قرينة صارفة ، كقولك : أثبته وثاقاً .
وكذلك قولك همَّ بزيد ، معناه أراد أن يبطش به ، إلا إذا وجدت قرينة صارفة ، مثل : وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ : أرادته لنفسها وهي قرينة المقام . أما هَمَّ بِهَا فتبقى بمعنى البطش لعدم وجود قرينة تصرفها عن معناها .
قال الجوهري «١/٢٤٥ » : «لِيُثْبِتُوكَ ، أي يجرحوك جراحة لا تقوم معها » .
كما أن تفسير الراغب لقوله تعالى : وَلَوْ أنهُمْ فَعَلُوا ما يُوعَظُونَ بِهِ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً . بأن معناه : أشد لتحصيل علمهم . لايصح .
وقد تحير فيه المفسرون وذكر الطبري عدداً من أقوالهم في تفسيره «٣/٩٦ » فأخذ الراغب منها ما رآه أنسب ، وكلها غير مقنع !
ويظهر أن تركيب : تَثْبِيتاً من أَنفسهم ، جديدٌ على علماء اللغة ، ويتوقف فهمه على تعيين متعلق الجار والمجرور . والصحيح أن مِن بمعنى اللام والمعنى : ينفقون ليُثَبِّتُوا أنفسهم على الإيمان لأن الإنفاق دليل على الصدق فيه . فالجار والمجرور متعلق بتثبيتاً .
وقد احتمله العكبري في تفسيره «١/١١٣ » فقال : يجوز أن تكون من بمعنى اللام : أي تثبيتاً لأنفسهم ، كما تقول : فعلت ذلك كسراً من شهوتي » .
وذكر ابن هشام في المغني «١/٣٢١ » مجئ مِن بمعنى الباء ، وفي ، وعند ، لكنه لم يذكر مجيئها بمعنى اللام . ولا عجب فإن النحويين لم يستقرئوا اللغة استقراءً تاماً ، فهذا فعل بَقِيَ فيه كل صفات كان النحوية ، ولم يذكروه في أخواتها !
٢ . وقد ورد الثبات في القرآن في خمس آيات :
في الشجرة الطيبة:كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ .
«إبراهيم: ٢٤ » .
وفي المحو والإثبات : يَمْحُواْ اللهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ .
«الرعد: ٣٩ » .
وفي الثبات في الحرب : إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا .
«الأنفال: ٤٥ » . وفي ثبات القدم في الإيمان : فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا .
«النحل: ٩٤ » .
ويتصل بمعنى هذه الآية قول تعالى : يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ . «البقرة: ٢٦٥ » .
واستعمل التثبيت في ثلاث عشرة آية :
منهـــا : في تثبيت الله تعــــالى لرســوله|:وَكُلاً نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ . «هود: ١٢٠ » .
ومنها : في تثبيت الله عز وجل للمؤمنين : يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُـــوا بِالْقَــــــــوْلِ الثَّابِتِ . «إبراهيم: ٢٧ » . وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ . «الأنفال: ١١ » . إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا . «الأنفال: ١٢ » .
ومنها الأعمال التي توجب تثبيت الإيمان : يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ . «البقرة: ٢٦٥ » لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا . «النساء: ٦٦ » .
ثَبَرَ
الثُّبُور : الهلاك والفساد . المُثَابِر على الإتيان : أي المواظب ، من قولهم : ثَابَرْتُ .
قال تعــالى : دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً واحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً «الفرقان: ١٣ » .
وقوله تعالى : وَإني لَأَظُنُّكَ يا فِرْعَوْنُ مَثْبُوراً . «الإسراء: ١٠٢ » قال ابن عباس ٢ : يعني ناقص العقل ، ونقصان العقل أعظم هُلْكٍ . وثَبِيرٌ جبل بمكة .