المفردات في غريب القرآن - مع ملاحظات العاملي (الكوراني) - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١٤٣ - بَلِيَ
له بعضهم : مع الفصاحة .
وقال التفتازاني في مختصر المعاني «١/٢٤ » : «البلاغة في المتكلم ملكة يَقتدر بها على تأليف كلام بليغ . . ليس كل فصيح بليغاً لجواز أن يكون كلامٌ فصيح غير مطابق لمقتضى الحال » .
فالمتفق عليه : أن البلاغة كلامٌ مميز في ألفاظه ومعانيه ، يشهد له أهل المعرفة باللغة .
٦ . قال الراغب : والبَلَاغ : الكفاية ، نحو قوله عز وجل : إن فِي هذا لَبَلاغاً لِقَوْمٍ عابِدِينَ . «الأنبيـــاء:١٠٦ »وهو في الآية أعم من التبليغ والكفاية .
ثم فسر آية : وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ ، بأنك تكون مبلغاً للرسالة لكن ليس بنحو كافٍ . وهذا خطأ ، قال البيضاوي «٢/١٣٦ » : «فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَه ، فما أديت شيئاً منها » . وقال ابن جزي في التسهيل «١/٢٣٨ » : « إن تركت منه شيئاً فكأنك لم تبلغ شيئاً وصار مابلغت لايعتد به » . فقد أُمِر|بتليغ أمرٍ مهم يعادل الرسالة ، وهو إعلان ولاية علي× ، لكن علماء السلطة حاولوا تهوين الأمر ! وقد استوفينا بحثه في كتاب : آيات الغدير .
بَلِيَ
يقال : بَلِيَ الثوب بِلًى وبَلَاءً ، أي خَلِقَ . ومنه قيل لمن سافر : بِلْوُ سفر وبِلْيُ سفر ، أي أبلاه السفر .
وبَلَوْتُهُ : اختبرته كأني أخلقته من كثرة اختباري له ، وقرئ : هُنـــالِكَ تَبْلُو كل نَفْسٍ ما أَسْلَفَتْ . «يونس: ٣٠ » أي تعرف حقيقة ما عملت ،
ولذلك قيل : بلوت فلاناً إذا اختبرته .
وسميَ الغم بلاءً من حيث إنه يُبلي الجسم ، قال تعالى : وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ «البقرة: ٤٩ » وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَئ مِنَ الْخَوْفِ ..الآية . «البقرة: ١٥٥ » وقال عز وجل : إن هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ «الصافات: ١٠٦ » .
وسمي التكليف بلاءً من أوجه ، أحدها : أن التكاليف كلها مشاق على الأبدان ، فصارت من هذا الوجه بلاء . والثاني : أنها اختبارات ، ولهذا قال الله عز وجل : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ «محمد: ٣١ » .
والثالث : إن اختبار الله تعالى للعباد تارةً بالمسَارِّ ليشكروا ، وتارة بالمضارِّ ليصبروا ، فصارت المحنة والمنحة جميعاً بلاء ، فالمحنة مقتضية للصبر والمنحة مقتضية للشكر . والقيام بحقوق الصبر أيسر من القيام بحقوق الشكر، فصارت المنحة أعظم البلاءين .
وبهذا النظر قال عمر : بلينا بالضراء فصبرنا وبلينا بالسراء فلم نشكر .
ولهذا قال أمير المؤمنين : من وسع عليه دنياه فلم يعلم أنه قد مكر به فهو مخدوع عن عقله .
وقال تعالى : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً «الأنبياء: ٣٥ » وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً «الأنفـال: ١٧ » وقوله عز وجل : وَفِي ذلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ «البقرة: ٤٩ » راجع إلى الأمرين ، إلى المحنة التي في قوله عز وجل : يُذَبِّحُونَ أَبْناءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِساءَكُمْ «البقرة: ٤٩ » وإلى المنحة التي أنجاهم .
وكذلك قوله تعالى : وَآتَيْناهُمْ مِنَ الْآياتِ ما فِيهِ بَلؤُا مُبِينٌ
«الدخان: ٣٣ » راجع إلى الأمرين ، كما وصف كتابه بقوله : قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى . «فصلت: ٤٤ » .
وإذا قيل : ابْتَلَى فلان كذا وأَبْلَاهُ فذلك يتضمن أمرين ، أحدهما : تَعَرُّفُ حاله والوقوف على ما يُجهل من أمره . والثاني : ظهور جودته ورداءته . وربما قصد به الأمران ، وربما يقصد به أحدهما .