المفردات في غريب القرآن - مع ملاحظات العاملي (الكوراني) - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١٠٩ - بَرْزَخ
أصل البَرْد : خلاف الحر ، فتارة يعتبر ذاته فيقال : بَرَدَ كذا ، أي اكتسب برداً ، وبَرَدَ الماء كذا ، أي أكسبه برداً ، نحو :
ستُبْرِدُ أكباداً وتُبْكي بَوَاكِياً
ويقال : بَرَّدَهُ أيضاً . وقيل : قد جاء أَبْرَدَ ، وليس بصحيح . ومنه البَرَّادَة لما يُبَرِّدُ الماء ، ويقال : بَرَدَ كذا ، إذا ثبت ثبوت البرد ، واختصاص الثبوت بالبرد كاختصاص الحرارة بالحر ، فيقال : بَرَدَ كذا ، أي ثبت كما يقال : بَرَدَ عليه دين . قال الشاعر : اليوم يومٌ باردٌ سَمُومُهُ .
وقال الآخر : قد بَرَدَ الموتُ على مُصْطَلَاهُ .
أي ثبت . يقال : لم يَبْرُدْ بيدي شئ ، أي لم يثبت .
وبَرَدَ الإنسان : مات . وبَرَّدَه : قتله ، ومنه : السيوف البَوَارِد ، وذلك لما يعرض للميت من عدم الحرارة بفقدان الروح ، أو لما يعرض له من السكون .
وقولهم للنوم بَرْد : إما لما يعرض عليه من البرد في ظاهر جلده ، أو لما يعرض له من السكون . وقد علم أن النوم من جنس الموت لقوله عز وجل : اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها «الزمر:٤٢ » وقال : لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْداً وَلا شَراباً «النبأ:٢٤ » أي نوماً .
وعيش بارد : أي طيب ، اعتباراً بما يجد الإنسان في اللذة في الحر من البرد ، أو بما يجد من السكون . والأبردان : الغداة والعشي ، لكونهما أبرد الأوقات في النهار .
والبَرَدُ : ما يَبْرُدُ من المطر في الهواء فيَصْلُبُ .
وبَرَد السحاب : اختص بالبَرَد ، وسحاب أَبْرَد وبَرِد : ذو بَرَد ، قال الله تعـــالى : وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّماءِ مِنْ جِبالٍ فِيها مِنْ بَرَدٍ . «النور:٤٣ » .
والبَرْدِيُّ : نبت ينسب إلى البرد لكونه نابتاً به ، وقيل : أصل كل داء البَرَدَة ، أي التخمة ، وسميت بذلك لكونها عارضة من البرودة الطبيعية التي تعجز عن الهضم .
والبَرُود : يقال لما يُبَرَّدُ به ، ولما يُبَرَّدُ ، فيكون تارة فعولاً في معنى فاعل ، وتارة في معنى مفعول ، نحو : ماء برود ، وثغر برود ، كقولهم للكحل : برود .
وبَرَدْتُ الحديد : سحلته ، من قولهم : بَرَّدْتُهُ ، أي قتلته .
والبُرَادَة : ما يسقط ، والمِبْرَدُ : الآلة التي يبرد بها .
والبُرُد في الطرق : جمع البَرِيد ، وهم الذين يلزم كل واحد منهم موضعاً منه معلوماً ، ثم اعتبر فعله في تصرفه في المكان المخصوص به ، فقيل لكل سريع : هو يَبْرُد ، وقيل لجناحي الطائر : بَرِيدَاه ، اعتباراً بأن ذلك منه يجري مجرى البريد من الناس في كونه متصرفاً في طريقه ، وذلك فرع على فرع ، حسب ما يبين في أصول الإشتقاق .
. ملاحظات .
استعمل القرآن ثلاث كلمات من هذه المادة «بَرَد وبَرْد وبَارد » في خمس آيات .
وجعل الراغب مادة بَرَدَ أصلاً واحداً ، بمعنى خلاف الحر ، وفرَّعَ منها حتى البريد ، والمبرد ، والبردي ، وبريدي الطائر بمعنى جناحيه . وذكر وجه اشتقاق بعضها دون بعض .
وقول ابن فارس أقوى «١/٢٤١ » : « بَرَدَ : أصول أربعة ، أحدها : خلاف الحر . والآخر : السكون والثبوت . والثالث : الملبوس . والرابع : الإضطراب والحركة . وإليها ترجع الفروع » .
بَرَزَ
البَرَاز : الفضاء ، وبَرَزَ : حصل في براز ، وذلك إما أن يظهر بذاته نحو : وَتَرَى الْأَرْضَ بارِزَةً «الكهف:٤٧ » تنبيهاً [على] أنه تبطل فيها الأبنية وسكانها .
ومنه : المبارزة للقتال ، وهي الظهور من الصف ، قال تعالى : لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ «آل عمــران:١٥٤ » وقال عز وجل : وَلما بَرَزُوا لِجالُوتَ وَجُنُودِهِ «البقرة:٢٥٠ » .
وإما أن يظهر بفضله ، وهو أن يسبق في فعل محمود . وإما أن ينكشف عنه ما كان مستوراً منه ، ومنه قوله تعالى : وَبَرَزُوا
لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ «إبراهيم:٤٨ » وقال تعالى : يَوْمَ هُمْ بارِزُونَ
«غافر::١٦ » وقوله عز وجل : وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغاوِينَ
«الشعراء:٩١ » تنبيهاً على أنهم يعرضون عليها .
ويقال : تَبَرَّزَ فلان كناية عن التغوُّط .
وامرأة بَرْزَة : عفيفة ، لأن رفعتها بالعفة ، لا أن اللفظة اقتضت ذلك .
. ملاحظات .
استعملت المادة في القرآن في تسع آيات ، ذكر الراغب منها ستة . والتي لم يذكرها قوله تعالى : وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ . «النساء: ٨١ » . وقوله : وَبَرَزُوا للهِ جَمِيعاً . «إبراهيم : ٢١ » .
وقوله:وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى . «النازعات : ٣٦ » .
وكلها يتسق تفسيرها بالظهور ، ولا يتسق بالفضاء ، كما قال الراغب .
وقد عبَّرَ القرآن : وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ، أي قُرِّبَتْ منهم وزينت ليدخلوها . وبُرِّزت الجحيم ، أي أظهرت ليروها ولو من بعيد .
بَرْزَخ
البَرْزَخ : الحاجز والحد بين الشيئين ، وقيل : أصله بَرْزَهْ فعُرِّب ، وقوله تعالى : بَيْنَهُما بَرْزَخٌ لا يَبْغِيانِ «الرحمن:٢٠ »
والبرزخ في القيامة : الحائل بين الإنسان وبين بلوغ المنازل الرفيعة في الآخرة ، وذلك إشارة إلى العقبة المذكورة في قوله عز وجل : فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ «البلد:١١ » .
قـــال تعــــــالى : وَمِنْ وَرائِهِـــمْ بَرْزَخٌ إِلى يَــــــوْمِ يُبْعَثُونَ