المفردات في غريب القرآن - مع ملاحظات العاملي (الكوراني) - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١١١ - بَرَكَ
إثبات أصول كلمات من العربية وهما فارسيان يريان أنها فارسية معربة . ويظهر أن الجو السائد كان يرفض أن يكون في القرآن كلمات معربة ، لتخيل الحكام أنه ينافي كونه قرآناً عربياً ، ولعلهم كانوا يعاقبون من يقول بذلك ، فخاف منهم اللغويون !
بَرَكَ
أصل البَرْك : صدر البعير ، وإن استعمل في غيره . ويقال له بَرَكَة .
وبَرَكَ البعير : ألقى بَرْكَهُ ، واعتُبِر منه معنى اللزوم فقيل ابْتَرَكُوا في الحرب ، أي ثبتوا ولازموا موضع الحرب . وبَرَاكَاء الحرب وبَرُوكَاؤُها ، للمكان الذي يلزمه الأبطال .
وابْتَرَكَتِ الدابة : وقفت وقوفاً كالبروك . وسمِّي محبس الماء : بِرْكَة .
والبَرَكَةُ : ثبوت الخير الإلهي في الشئ ، قال تعالى : لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ «الأعراف:٩٦ » وسمي بذلك
لثبوت الخير فيه ثبوت الماء في البركة .
والمُبَارَك : ما فيه ذلك الخير ، على ذلك : وَهذا ذِكْرٌ مُبارَكٌ أَنْزَلْناهُ «الأنبياء:٥٠ » تنبيهـاً على ما يفيـض عليــه من الخيرات الإلهية .
وقال : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ «الأنعام:١٥٥ » وقوله تعالى : وَجَعَلَنِي مُبارَكاً «مريم:٣١ » أي موضع الخيرات الإلهية .
وقوله تعالى : إنا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ . «الدخـــان:٣ » رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً «المؤمنـــون:٢٩ » أي حيث يوجــد الخيـر الإلهي .
وقوله تعالى : وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً «قاف:٩ » فبركة ماء السماء هي ما نبه عليه بقوله : أَلَمْ تَرَ إن الله أَنْزَلَ مِنَ السَّمــاءِ ماءً فَسَلَكَهُ يَنابِيـــعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ «الزمر:٢١ »
وبقوله تعالى : وَأَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ «المؤمنون:١٨ »
ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لايُحَسُّ وعلى وجه لا يحصى ولا يحصر ، قيل لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة : هو مُبَارَكٌ وفيه بركة . وإلى هذه الزيادة أشير بما روي أنه : لا ينقص مال من صدقة . لا إلى النقصان المحسوس حسب ما قال بعض الخاسرين حيث قيل له ذلك فقال : بيني وبينك الميزان .
وقوله تعالى : تَبارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّماءِ بُرُوجاً . «الفرقان:٦١ » فتنبيهٌ على ما يفيضه علينا من نعمه بواسطة هذه البروج والنيرات المذكورة في هذه الآية . وكل موضع ذكر فيه لفظ تَبَارَكَ ، فهو تنبيه على اختصاصه تعالى بالخيرات المذكورة
مع ذكر تبارك . وقوله تعالى : فَتَبارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ .
«المؤمنون: ١٤ » تَبارَكݡَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقانَ . «الفرقان:١ » تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ . «الفرقــــان:١٠ » فَتَبارَكَ اللهُ رَبُّ الْعالَمِينَ . «غافر:٦٤ » تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ
«الملك:١ » .
كل ذلك تنبيهٌ على اختصاصه تعالى بالخيرات المذكورة مع ذكر تبارك .
. ملاحظات .
١ . لم أجد عند اللغويين كلاماً مقنعاً في اشتقاق البَرَكة ، وجعل الراغب معناها الثبوت من جلوس البعير على بَرْكِهِ أي صدره ، وقريب منه كلام
ابن فارس . «١/٢٢٧ » .
وجعلها بعضهم من بركة الماء . وأضاف بعضهم اليها معنى النمو وهو صحيح ، لأنه ظاهرٌ في استعمالها . فالبرَكة في الشئ بمعنى نموه وزيادته ، وبمعنى ثباته وعدم نقصانه .