المفردات في غريب القرآن - مع ملاحظات العاملي (الكوراني) - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١٦٤ - البَاء
مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ . «يوسف: ٥٦ » .
ومنها : عن موسى وهارون’ : وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا . «يونس٨٧ » .
البَاء
الباء : يجئ إما متعلِّقا بفعل ظاهر معه ، أو متعلِّقاً بمضمر . فالمتعلق بفعل ظاهر معه ضربان : أحدهما : لتعدية الفعل ، وهو جارٍ مجرى الألف الداخل على الفعل للتعدية نحو : ذهبت به وأذهبته . قال تعالى : وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً .
«الفرقان: ٧٢ » . والثاني : للآلة نحو : قطعه بالسكين .
والمتعلِّق بمضمر : يكون في موضع الحال نحو : خرج بسلاحه أي وعليه السلاح أو معه السلاح . وربما قالوا تكون زائدة نحو : وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا . «يوسف: ١٧ » وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ . «الشعراء: ١١٤ » وَكَفى بِنا حاسِبِينَ «الأنبياء: ٤٧ » .
وفي كل ذلك لا ينفك عن معنىً ربما يدقُّ ، فيتصور أن حصوله وحذفه سواء وهما في التحقيق مختلفان ، سيما في كلام من لا يقع عليه اللغو . فقوله : وَما أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنا . «يوسف: ١٧ » فبينه وبين قولك : ما أنت مؤمناً لنا فرق ، فالمتصوَّر من الكلام إذا نصبتَ ذاتٌ واحدة ، كقولك : زيد خارج . والمتصور منه إذا قيل : ما أنت بمؤمن لنا ، ذاتان ، كقولك : لقيت بزيد رجلاً فاضلاً ، فإن قوله رجلاً فاضلاً وإن أريد به زيد فقد أخرج في معرض يتصور منه إنسان آخر ، فكأنه قال : رأيت برؤيتي لك آخر هو رجل فاضل . وعلى هذا : رأيت بك حاتماً في السخاء .
وعلى هذا : وَما أَنَا بِطارِدِ الْمُؤْمِنِينَ . «الشعراء: ١١٤ » وقوله تعالى : أَلَيْسَ الله بِكافٍ عَبْدَهُ . «الزمر: ٣٦ »
وقوله : تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ . «المؤمنون: ٢٠ » قيل معناه : تنبت الدهن ، وليس ذلك بالمقصود بل المقصود أنها تنبت النبات ومعه الدهن ، أي والدهن فيه موجود بالقوة . ونبه بلفظة بِالدُّهْنِ على ما أنعم به على عباده وهداهم إلى استنباطه . وقيل : الباء هاهنا للحال ، أي حاله أن فيه الدهن . والسبب فيه أن الهمزة والباء اللتين للتعدية لا يجتمعان .
وقوله : وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً «الفتح: ٢٨ » فقيل : كفى الله شهيداً ، نحو : وَكَفَى الله الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ . «الأحزاب: ٢٥ » الباء زائدة ، ولو كان ذلك كما قيل لصح أن يقال : كفى بالله المؤمنين القتال ، وذلك غير سائغ ، وإنما يجئ ذلك حيث يذكر بعده منصوب في موضع الحال ، كما تقدم ذكره .
والصحيح أن كفى هاهنا موضوع موضع إِكْتَفِ ، كما أن قولهم : أحسن بزيد موضوع موضع ما أحسن ، ومعناه : إِكْتَفِ بالله شهيداً .
وعلى هــذا : وَكَفى بِرَبِّكَ هادِياً وَنَصِيراً . «الفرقـان: ٣١ » وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا . «النساء: ١٣٢ » وقوله : أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ إنهُ عَلى كل شَئ شَهِيدٌ . «فصلت: ٥٣ » وعلى هذا قوله : حُبَّ إليَّ بفلان أي أحْبِبْ إليَّ به .
ومما ادُّعي فيه الزيادة : الباء في قوله : وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهْلُكَةِ . «البقرة: ١٩٥ » قيـل تقديره : لاتلقوا أيديكم ، والصحيح أن معناه لاتلقوا أنفسكم بأيديكم إلى التهلكة ، إلا أنه حذف المفعول استغناء عنه وقصداً إلى العموم ، فإنه لايجوز إلقاء أنفسهم ولا إلقاء غيرهم بأيديهم إلى التهلكة .
وقال بعضهم : الباء بمعنى من في قوله : عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا
الْمُقَرَّبُونَ . «المطففين: ٢٨ » عَيْناً يَشْرَبُ بِها عِبادُ الله . «الإنسان: ٦ » والوجه ألا يصرف ذلك عما عليه وأن العين هاهنا إشارة إلى المكان الذي ينبع منه الماء لا إلى الماء بعينه ، نحو : نزلت بعين ، فصار كقولك : مكاناً يشرب به ، وعلى هذا
قوله تعالى : فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ . «آل عمران: ١٨٨ »
أي بموضع الفوز . و الله تعالى أعلم .
تمَّ كتاب الباء