المفردات في غريب القرآن - مع ملاحظات العاملي (الكوراني) - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١٤٦ - بَنَيَ
أقول : يقصد ابن هشام أن قاعدتهم في أنه لا تجئ بلى إلا بعد نفي ، ينقضها قوله تعالى : بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا . «الزمر: ٥٨ » . فإنه لا يوجد قبلها نفي ، ثم أجاب بأنه يوجد نفي في المعنى وإن لم يصرح به .
والصحيح : أن اشتراط النحويين النفي قبل بلى غير دقيق ، نعم تحتاج لأن يتقدم عليها سؤال ، إما ظاهر بالإستفهام أو النفي ، أو مقدر بقرينة المقال أو الحال . وكذا استعملها أهل البيت^ وهم أفصح من نطق بالضاد . قال علي׫فو الله ما كنزت من دنياكم تبراً ، ولا ادخرت من غنائمها وفراً ، ولا أعددت لبالي ثوبي طمراً . بلى ، كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء ، فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين » . «نهج البلاغة: ٣/٧١ »:
وقال× : « إن هاهنا لعلماً جماً ، وأشار إلى صدره ، لو أصبت له حَمَلَة . بلى ، أصبت لَقِناً غير مأمونٍ عليه ، مستعملاً آلة الدين للدنيا . اللهم بلى ، لاتخلو الأرض من قائم لله بحجة » . «نهج البلاغة: ٤/٣٧ »
وفي الكافي «١/٩٠ » في جواب سؤال يهودي : «متى كان ربنا؟ قال له : يا يهودي إنما يقال متى كان لمن لم يكن فكان ، هو كائن بلا كينونية ، كائن كان بلا كيف يكون . بلى يايهودي ثم بلى يا يهودي ، كيف يكون له قبل ! هو قَبْلَ القبل بلا غاية ، ولا منتهى غاية لتنتهي غايته . انقطعت الغايات عنده ، هو غاية كل غاية . فقال : أشهد أن دينك الحق ، وأن ما خالفه باطل » .
فَبَلَى في هذه الموارد جوابٌ سؤال مقدر من السياق ، أو مفترض من المتكلم . وقد یخلو من النفي والاستفهام.
بَنَن
البَنَان : الأصابع ، قيل سميت بذلك لأن بها صلاح الأحوال التي يمكن للإنسان أن يُبِنَّ بها ، يريد : أن يقيم بها . ويقال : أَبَنَّ بالمكان يُبِنُّ ، ولذلك خص في قوله تعالى : بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ . «القيامة: ٤ » . وقوله تعالى : وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كل بَنانٍ «الأنفال: ١٢ » خصه لأجل أنها بها تقاتل وتدافع . والبَنَّة : الرائحة التي تبنُّ بما تعلقت به .
. ملاحظات .
١ . شكَّ الراغب في أن البنان مشتقة من بَنَنَ بمعنى أقام ، وأن مناسبة اشتقاقها أنها تمكن الإنسان من الإقامة بالمكان . وشكه في محله ، لأن اللغويين لم يذكروا ارتباطاً معقولاً بينهما . ثم إن الأصابع من أعضاء البدن ، فكيف تأخرت تسميتها حتى أخذوها من الإقامة في مكان لتسمين الشياه !
قال الخليل «٨/٣٧٣ » : «البنان : أطراف الأصابع من اليدين والرجلين . ويجئ في الشِّعر البنانة » .
وقال ابن منظور «١٣/٥٨ » : « والبَنانُ في قوله تعالى : بَلى قادِرِينَ عَلى أَنْ نُسَوِّيَ بَنانَهُ . يعني شَوَاه «الأيدي والأرجل » ويقال : بنانٌ مُخَضَّبٌ ، لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاءُ ، فإِنه يُوَحِّد ويذكَّرُ . وقوله عز وجل : فَاضْرِبُوا فَوْقَ الإعناقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كل بَنانٍ ، قال أَبو إسحق : البَنانُ هاهنا جميعُ أَعضاء البدن » .
أقول : وسَّعُوا معنى البنان الى كل البدن بدون دليل ، وقصدهم تقوية ضرب الملائكة للمشركين في بدر في قوله تعالى : فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأعنَاقِ وَاضْرِبوُا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ . «الأنفال: ١٢ » فجعلوها كل البدن .
والصحيح حملها على ظاهرها ، وأن الملائكة كانوا مساعدين ، فضربوا المشركين فوق الأعناق ، ولم يضربوا نفس الأعناق ، وضربوا أصابعهم . ولا نعرف كيفية ضربهم ، ولا قوانين حربهم .
بَنَيَ