المفردات في غريب القرآن - مع ملاحظات العاملي (الكوراني) - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١٤٤ - بَلِيَ
فإذا قيل في الله تعالى : بلى كذا وأبلاه ، فليس المراد منه إلا ظهور جودته ورداءته دون التعرف لحاله والوقوف على ما يجهل من أمره ، إذ كان الله علَّام الغيوب .
وعلى هذا قوله عز وجل : وَإِذِ ابْتَلى إِبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ فَأَتَمَّهُنَّ . «البقرة: ١٢٤ » . ويقال : أَبْلَيْتُ فلاناً يميناً : إذا عرضت عليه اليمين لتبلوه بها .
. ملاحظات .
١ . جعل الراغب كل فروع بَلِيَ وابْتَلَى أصلاً واحداً من بَلِيَ الثوب ولم يذكر بَلَوَ .
وذكر قولهم : بِلْوُ سفر ، وفسره بأبلاه السفر ، وهم يقصدون أنه قويٌّ على السفر ! وجعله الراغب للإنسان وهو للناقة ، يقولون : نِضْوُ سفر ، وبِلو سفر .
أما ابن فارس فجعل بَلِيَ وبَلَوَ أصلين من بلي الثوب ، لكن المادة أوسع من ذلك .
قال ابن فارس «١/١٩٢ » : «أصلان ، أحدهما : إخلاق الشئ . والثاني : نوع من الإختبار ، ويحمل عليه الإخبار أيضاً ، يقول العرب : أبلِني كذا ، أي أخبرني فيقول الآخر : لاأبليك . ومنه حديث أم سلمة حين ذكرت قول النبي| : إن من أصحابي من لا يراني بعد أن أفارقه ، فسألها عمر أمنهم أنا ! فقالت لا ، ولن أبلي أحداً بعدك . أي لن أخبر » .
٢ . لم يَستعمل القرآن بَلِيَ للثوب واستعملها ضد الخلود : وَمُلْكٍ لا يَبْلَى . «طَهَ: ١٢٠ »
واستعمل بَلَى وأَبْلَى وابتلى بشكل واسع بمعنى الإختبار والإمتحان .
واستعمل بَلَوْنا ونَبْلُو ويَبْلُو ، متعدياً بالباء : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً «الأنبياء: ٣٥ » .
ومتعـــــدياً بفي : لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ . «الأنعام: ١٦٥ » . ومجرداً : لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً . «الملك: ٢ » .
وابْتَلَى ويَبتلي ونَبتلي وابْتُلِيَ ، متعدياً بفي : لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ . «آل عمران: ١٨٦ » .
وبالباء : وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ «البقرة: ١٢٤ » .
ومجرداً : هُنَالِكَ ابْتُلِي الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا . «الأحزاب: ١١ » .
واســـتعمل أبلى مـــرة واحـــدة : وَلِيُبْليَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَنًا . «الأنفال: ١٧ » .
وتُبْلى في آية واحدة للسرائر : يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ . «الطارق: ٩ » . أي يوم تظهرفيها نتيجة الإبتلاء .
وكذا تَبْلُو في آية واحدة للنفس : هُنَالِكَ تَبْلُوا كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ . «يونس: ٣٠ » . أي ترى نتيجته .
واستعمل الإبتلاء للنوايا ، والتمحيص لنتائج الأعمال
في القلوب ، فقال عز وجـل : وَلِيَبْتَلِي اللهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ ،
وَلِيُمَحِّصَ مَـــا فِي قُلُوبِكُمْ وَ اللهُ عَلِيـــــمٌ بِذَاتِ الصُّــــدُورِ .
«آل عمران: ١٥٤ » .
٣ . لم أجد تفريقاً مقنعاً بين البلاء والإبتلاء ، ويفهم من تتبع مواردهما أن البلاء قانون إلهي عام ، عليه قامت الحياة على الأرض ، قال تعــــــالى : الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَوةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً . «الملك: ٢ » . إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً . «الكهف: ٧ » . وَهُـــــــوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّــــامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً . «هــــود: ٧ » .
ويكون البلاء بالشــــــر وبالخيـــــــر : وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْر .
«الأنبياء: ٣٥ » لِيَبْلُوَنِى أشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ . «النمل: ٤٠ » .
ومنه البلاء بالرزق : لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ . «الأنعام: ١٦٥ » .
وبلاء العقوبة : نَبْلُوهُمْ بِمَا كَأنوا يَفْسُقُونَ . «الأعراف: ١٦٣ » .
وبلاء الصراع بين أولياء الله وأعدائه : وَلَوْ يَشَاءُ اللهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَاْ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ «محمّد: ٤ » .