المفردات في غريب القرآن - مع ملاحظات العاملي (الكوراني) - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١٣٧ - بَلْ
عليهم أهل السماء .
. ملاحظات .
١ . معنى قول الراغب : وبالقصر يقال إذا كان الحزن أغلب : أن البكاء بالألف الممدود يقال للبكاء الذي يغلب فيه الصوت ، لأنه من نوع أسماء الأصوات كالثغاء والرغاء . فإن لم يغلب فيه الصوت فهو بكا بدون همزة .
لكنه تقسيم لايلتزم به العرب ، وقد أخذه الراغب من عبارة ابن فارس ، قال «١/٢٨٥ » : «قال النحويون : من قَصَرَهُ أجراه مجرى الأدواء والأمراض ، ومن مَدَّه أجراه مجرى الأصوات كالثغاء والرغاء والدعاء » .
٢ . ورد البكاء في سبع آيات ، ومواضيعها : أن الله خص الإنسان بالقدرة على الضحك والبكاء : وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى . «النجم: ٤٣ » .
وأن المؤمنين يبكون خشـــوعــاً : إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا . «مريم: ٥٨ » .
وأن الفجار يضحكون : أَفَمِنْ هَذَا الحدِيثِ تَعْجَبُونَ . وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ . «النجم: ٥٩ » .
وأن المنافقين سيبكون كثيراً : فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلاً وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَأنوا يَكْسِبُونَ . «التوبة: ٨٢ » .
وأن الأرض والسماء لا تبكيان على المجرمين : فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَأنوا مُنْظَرِينَ . «الدخان: ٢٩ » .
وفي بكاء إخوة يوسف كذباً : وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ .
«يوسف: ١٦ » .
بَلْ
بَلْ : كلمةٌ للتدارك ، وهو ضربان : ضرب يناقض ما بعده ما قبله ، لكن ربما يقصد به لتصحيح الحكم الذي بعده ، وإبطال ما قبله ، وربما يقصد تصحيح الذي قبله وإبطال الثاني .
فمما قصد به تصحيح الثاني وإبطال الأول ، قوله تعالى : إِذا تُتْلى عَلَيْهِ آياتُنا قالَ أَسـاطِيرُ الأولينَ كلا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ «المطففين: ١٣ » أي ليس الأمر كما قالوا بل جهلوا ، فنبَّه بقوله رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ، على جهلهم .
وعلى هذا قوله في قصة إبراهيم : قالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ قالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَسْئَلُوهُمْ إِنْ كانُوا يَنْطِقُونَ . «الأنبياء :٦٢ » .
وممّا قصد به تصحيح الأول وإبطال الثاني قوله تعالى : فَأَمَّا الْإِنْســـانُ إِذا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّيݡ أَكْرَمَنِ وإمــــا إِذا مَــــــا ابْتَلاهُ فَقَـــــدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَــــــهُ فَيَقُولُ رَبِّيݡ أَهانَنِ كلا بَلْ لا تُكْرِمُــونَ الْيَتِيمَ . «الفجر: ١٥ » أي ليس إعطاؤهم المال من الإكرام ، ولا منعهـم من الإهانة ، لكن جهلوا ذلك لوضعهم المال في غير موضعـــه . وعلى ذلك قولـه تعـــالى : صَ . وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عزةٍ وَشِقاقٍ . فإنه دلَّ بقوله : وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ [على] أن القرآن مقرٌّ للتذكر ، وأن ليس امتناع الكفار من الإصغاء إليه أن ليس موضعاً للذكر بل لتعززهم ومشاقتهم .
وعلى هذا : قَ . وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ بَلْ عَجِبُوا ، أي ليس امتناعهم من الإيمان بالقرآن أن لا مجد للقرآن ، ولكن لجهلهم . ونبَّه بقوله : بَلْ عَجِبُوا على جهلهم ، لأن التعجب من الشئ يقتضي الجهل بسببه . وعلى هذا قوله عز وجل : مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ كلا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ . «الإنفطــــار: ٦ » كأنه قيل : ليس هاهنا ما يقتضي أن يغرَّهم به تعالى ، ولكن تكذيبهم هو الذي حملهم على ما ارتكبوه .
والضرب الثاني من بل : هو أن يكون مُبَيِّناً للحكم الأول وزائداً عليه بما بعد بل ، نحو قوله تعالى : بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ «الأنبياء: ٥ » فإنه نبه أنهم يقولـون : أَضْغــــاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ ، يزيدون على ذلك أن