إعراب القرآن - احمد بن محمد النحاس - الصفحة ٦٩ - ٤٣ شرح إعراب سورة الزخرف
قال أبو جعفر: و هما قراءتان مشهورتان قد روتهما الجماعة، و ليس فيما جاء به حجّة لأنّا نعلم أنّه لا ينشأ حتّى و لو لزم ما قال لما قيل: مات فلان لقوله جلّ و عزّ: ثُمَّ يُمِيتُكُمْ [البقرة: ٢٨، و الحج: ٦٦، و الروم: ٤٠]فكان يجب أن يقال: أميت و كذا حيي، و الفرق على خلاف ما قال عند النحويين و ذلك أنّ معنى ينشّأ لمرّة بعد مرّة على التكثير.
وَ جَعَلُوا اَلْمَلاََئِكَةَ اَلَّذِينَ هُمْ عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ إِنََاثاً مفعولان أي وصفوا أنه هكذا، و حكموا أنه كذا. و اختلف في قراءة هذا أيضا فقرأ عبد اللّه بن عباس و الكوفيون و أبو عمرو عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ [١] و قرأ أهل الحرمين و الحسن و أبو رجاء عند الرحمن [٢]
و احتجّ أبو عبيد لقراءة من قرأ عِبََادُ اَلرَّحْمََنِ بأن الإسناد فيها أعلى و أنها ردّ لقولهم:
الملائكة بنات اللّه فقال: ليسوا بنات هم عباد. قال أبو جعفر: و هما قراءتان مشهورتان معروفتان إلاّ أن أولاهما «عند» من غير جهة و الذي احتجّ به أبو عبيد لا يلزم لأنه احتجّ بأن الإسناد في القراءة بعباد أعلى. و لعمري أنّها صحيحة عن ابن عباس و لكن إذا تدبرت ما في الحديث رأيت الحديث نفسه قد أوجب أن يقرأ (عند) لأن سعيد بن جبير احتجّ على ابن عباس بالمصحف، فقال: في مصحفي «عند» . و هذه حجّة قاطعة؛ لأن جماع الحجّة من كتب المصاحف مما نقلته الجماعة على أنه «عند» . و لو كان «عباد» لوجب أن يكتب بالألف، كما كتب بَلْ عِبََادٌ مُكْرَمُونَ [الأنبياء: ٢٦]. و احتجاجه بأنه ردّ لقولهم بنات لا يلزم لأن عبادا إنما هو نفي لمن قال: ولد؛ لأنه يقع للمذكّر و المؤنّث. و الأشبه بنسق الآية قراءة من قرأ (عند) ؛ لأن المعنى فيه و جعلوا الملائكة الذين هم عند الرحمن أي لم يروهم إناثا فكيف قالوا هذا و هم عند الرحمن و ليسوا عندهم؟ أَ شَهِدُوا خَلْقَهُمْ [٣] قراءة نافع و أما سائر القراء فيما علمنا فإنهم قرءوا أشهدوا و هما قراءتان حسنتان قد نقلتهما الجماعة. و المعنى فيهما متقارب لأنهم إذا شهدوا فقد أشهدوا، و قوله جلّ و عزّ: أَمْ خَلَقْنَا اَلْمَلاََئِكَةَ إِنََاثاً وَ هُمْ شََاهِدُونَ [الصافات: ١٥٠]يدلّ على قراءة من قرأ أشهدوا و الأخرى جائزة حسنة قال جلّ و عزّ مََا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ اَلسَّمََاوََاتِ وَ اَلْأَرْضِ [الكهف: ٥١].
[١] انظر تيسير الداني ١٥٩، و كتاب السبعة لابن مجاهد ٥٨٥.
[٢] انظر تيسير الداني ١٥٩، و كتاب السبعة لابن مجاهد ٥٨٥.
[٣] انظر البحر المحيط ٨/١١.