إعراب القرآن - احمد بن محمد النحاس - الصفحة ١٣٩ - ٤٩ شرح إعراب سورة الحجرات
و الضحاك لاََ تُقَدِّمُوا [١] و زعم الفراء [٢] أن المعنى فيهما واحد. قال أبو جعفر: و إن كان المعنى واحدا على التساهل فثمّ فرق بينهما من اللغة قدّمت يتعدّى فتقديره لا تقدّموا القول و الفعل بين يدي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم، و تقدّموا ليس كذا، لأن تقديره لا تقدموا بالقول و الفعل.
يََا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لاََ تَرْفَعُوا أَصْوََاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ اَلنَّبِيِّ قال إبراهيم التيمي: فقال أبو بكر الصديق رضي اللّه عنه: يا رسول اللّه لا أكلمك إلا أخا السّرار. قال ابن أبي مليكة قال عبد اللّه بن الزبير: فكان عمر بعد نزول هذه الآية لا يسمّع النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم كلامه حتّى يستفهمه. و قال أنس: تأخّر ثابت بن قيس في منزله، و قال: أخاف أن أكون من أهل النار حتّى أرسل إليه النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم: «لست من أهل النار» [٣] و عمل جماعة من العلماء على أن كرهوا رفع الصوت عند قبر النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و بحضرة العلماء و في المساجد، و قالوا: هذا أدب اللّه جلّ و عزّ و رسوله ٧، و احتجّوا في ذلك بحديث البراء و غيره، كما قرئ على بكر بن سهل عن عبد اللّه بن يوسف قال: أخبرنا أبو معاوية عن الأعمش عن المنهال عن زاذان أبي عمرو عن البرآء قال: خرجنا مع النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر و لم يلحد فجلس النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و جلسنا حوله كأنّ رؤوسنا الطير، و النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم مكبّ في الأرض فرفع رأسه و قال: «استعيذوا باللّه من عذاب القبر» [٤] مرّتين أو ثلاثا، و ذكر الحديث. فكان فيما ذكرناه فوائد: منها خروج النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فدلّ هذا على أنه لا ينبغي لإمام و لا لأمير و لا قاض أن يتأخر عن الحقوق من أجل ما هو فيه، و فيه مجلس النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم و جلسنا حوله كأنّ على رؤوسنا الطير، أي ساكنين إجلالا له فدلّ هذا على أنه كذا ينبغي لمن جالس عالما أو واليا يجب أن يجلّ، كما روى عبادة بن الصامت عن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم أنه قال: «ليس منّا من لم يجلّ كبيرنا و يرحم صغيرنا و يعرف لعالمنا» [٥] . وَ لاََ تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ الكاف في وضع
[١] انظر البحر المحيط ٨/١٠٥، و المحتسب ٢/٢٧٨.
[٢] انظر معاني الفراء ٣/٦٩.
[٣] انظر البحر المحيط ٨/١٠٦.
[٤] أخرجه أحمد في مسنده ٤/٢٨٧ و ٦/٣٦٢، و أبو داود في سننه (٤٧٥٣) ، و الترمذي في سننه (٣٦٠٤) ، و ذكره التبريزي في مشكاة المصابيح (١٦٣٠) ، و الهيثمي في مجمع الزوائد ٣/٤٩، و الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ١٠/٤٠٠، و أبو نعيم الحلية ٨/١١٨.
[٥] ذكره الحاكم في المستدرك ١/١٢٢، و الطبراني في المعجم الكبير ٨/١٩٦، و الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/١٤، و المتقي الهندي في كنز العمال (٥٩٨٠) ، و الزبيدي في إتحاف السادة المتقين ٦/٢٥٩، و الطحاوي في مشكل الآثار ٢/١٣٣.