إعراب القرآن - احمد بن محمد النحاس - الصفحة ٢٦٠ - ٥٩ شرح إعراب سورة الحشر
و إنما صولحوا على الجلاء فملّك اللّه تعالى مالهم النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم يحكم فيه بما أراد و كان فيه فدك فصحّ عن الصحابة منهم عمر رضي اللّه عنه أن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم كان يأخذ منه ما يكفيه و أهله و يجعل الباقي في السلاح الذي يقاتل به العدوّ و في الكراع. فلما توفّي النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم طالبت فاطمة رضي اللّه عنها على أنه ميراث فقال لها أبو بكر رضي اللّه عنه: أنت أعزّ الناس عليّ غير أني سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يقول: «إنّا معاشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة» [١] و لكنّي أقرّه على ما كان يفعله فيه، و تابعه أصحابه بالشهادة على أن النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم كذا قال حتّى صار ذلك إجماعا، و عمل به الخلفاء الأربعة لم يغيروا منه شيئا و أجروه مجراه في وقت النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم فأما معنى «لا نورث ما تركنا صدقة» فقد تكلّم فيه العلماء فقال بعضهم: معنى «لا نورث» كمعنى لا أورث كما يقول الرجل الجليل: فعلنا كذا، و قيل: هو لجميع الأنبياء؛ لأنه لم يورث أحد منهم شيئا من المال، و قالوا: معنى خِفْتُ اَلْمَوََالِيَ مِنْ وَرََائِي [مريم: ٥]معناه خفت ألا يعملوا بطاعة اللّه جلّ و عزّ.
و يدل على هذا وَ اِجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا [مريم: ٦]. و معنى يَرِثُنِي النبوة و الشريعة و كذلك وَ وَرِثَ سُلَيْمََانُ دََاوُدَ [النمل: ١٦]و معنى «ما تركنا صدقة» فيه أقوال: فمن أصحّها أنه بمنزلة الصدقة؛ لأنه صلّى اللّه عليه و سلّم لم يكن يملك شيئا. و إنما أباحه اللّه جلّ و عزّ هذا فكان ينفق منه على نفسه و من يعوله، و يجعل الباقي في سبيل اللّه. فهذا قول، و قيل:
بل قد كان تصدق بكل ما يملكه، و قيل: «ما» بمعنى الذي أي لا نورث الذي تركناه صدقة و حذفت الهاء لطول الاسم و يقال: «وجف» إذا أسرع، و أوجفه غيره وَ لََكِنَّ اَللََّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلىََ مَنْ يَشََاءُ أي كما سلّطه على بني النضير.
في هذه الآية أربعة أقوال: منها أنه الفيء الأول و أنّ ما صولح عليه المسلمون من غير قتال فهذا حكمه، و قيل: بل هذا غير الأول، و هذا حكم ما كان من الجزية و مال الخراج أن يقسم. و هذا قول معمر، و قيل: بل هذا ما قوتل عليه أهل الحرب. و هذا قول يزيد بن رومان. و القول الرابع أن هذا حكم ما أوجف عليه بخيل و ركاب، و قوتل عليه فكان هذا حكمه حتّى نسخ بالآية التي في سورة «الأنفال» [٢] و الصواب أن يكون هذا الحكم مخالفا للأول؛ لأنه قد صحّ عمن تقوم به الحجّة أن الأول في بني النّضير و أنه جعل حكمه إلى النبيّ صلّى اللّه عليه و سلّم، و هذا الثاني على خلاف ذلك لأنه فيه
[١] انظر التمهيد لابن عبد البر ٨/١٧٥.
[٢] سورة الأنفال، الآية: ١.