المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٢٦ - الأدلة الشرعية المؤيدة لحكم العقل بالبراءة
على أنه لو تم ما ذكره قدس سره فمن الظاهر عدم سوق الآية لمحض الاخبار ، بل لبيان جريانه تعالى في العذاب على طبق الموازين العقلائية العامة الراجحة أو اللازمة من توقفه على إقامة الحجة ، فيدل على ثبوت ذلك في العذاب الأخروي بتنقيح المناط ، بل بالأولوية ، لأهمية العقاب الأخروي ، بلحاظ شدته ، وتمحضه في الجزاء ، الذي هو أولى بالاحتياج للحجة ، بخلاف العذاب الدنيوي ، حيث أنه قد يكون من سنخ الآثار الوضعية للأفعال وإن كانت عن عذر ، أو يكون للامتحان ، أو نحوهما مما لا يكون من سنخ الجزاء ولا يتوقف على إقامة الحجة ارتكازا . فالانصاف أن دلالة الآية وافية جدا .
ثم إنه ربما يقرب دلالتها على نفي الاستحقاق بما أشرنا إليه من ظهور التركيب المذكور في أنه ليس من شأن النسبة الوقوع ، بل هي لازمة الانتفاء .
لكنه أعم من عدم الاستحقاق ، لامكان أن يكون اللزوم بلحاظ التزامه تعالى بمقتضى اللطف وإن لم يكن واجبا ، نظير قوله تعالى : ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) [١] مع وضوح الاستحقاق ، كما يشهد به قوله تعالى بعد ذلك : ( وما لهم أن لا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام . . . ) [٢] وكيف كان ، فيكفي في الاستدلال بالآية دلالتها على نفي فعلية العقاب وإن لم تدل على نفي استحقاقه لكونها حينئذ مؤمنة من العقاب ، فلا يحتمل الضرر المقتضي للحذر والمستلزم لتنجز التكليف المحتمل . غايته أنها إن دلت على نفي الاستحقاق كانت إرشادا لحكم العقل المتقدم بقبح العقاب من غير بيان ، وإلا كانت دليلا على الأصل الأولي المذكور في قباله .
بقي شئ ، وهو أنها حيث كانت دالة على الأصل الأولي ، فلا تنافي
[١] سورة الأنفال : ٣٣ .
[٢] سورة الأنفال : ٣٤ .