المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٢٤ - الأدلة الشرعية المؤيدة لحكم العقل بالبراءة
لكن الاستدلال بالاجماع لا يخلو عن إشكال ، لقرب استناد المجمعين لحكم العقل المذكور ، أو لغيره مما يأتي الكلام فيه ، فلا يكون إجماعا تعبد يا كاشفا عن الحكم الشرعي .
وأما ما يأتي من الاستدلال بسيرتهم في مقام الاستدلال على الرجوع للبراءة فلعله إجماع منهم على الأصل الثانوي ، لمثل حديث الرفع ، لا على الأصل الأولي الذي هو محل الكلام .
ثم إنه قد يستدل على الأصل المذكور - بعد حكم العقل والاجماع المتقدمين - بأدلة من الكتاب والسنة . أما الكتاب فقوله تعالى : ( وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ) [١] بناء على أن بعث الرسول كناية عن وصول البيان ، لا مجرد البعث وان لم يصل البيان ، فإن ذلك هو المناسب لظهور كون القضية ارتكازية - كما هو المناسب لسياقها - لما هو المرتكز عرفا من توقف العقاب على البيان .
نعم ، لو كانت بصدد بيان لزوم بعث الرسل على الله تعالى لحفظ الملاكات الواقعية وايصالها للمكلفين ، من باب اللطف الذي لا ينافي اختفاء البيان لطوارئ خارجية ناشئة من المكلفين أنفسهم ، كانت أجنبية عما نحن فيه ، إلا أنه لا يناسب إناطة العقاب به ارتكازا .
فالانصاف ظهورها في عدم العقاب من دون بيان ، كما هو مفاد حكم العقل في المقام .
وقد أورد شيخنا الأعظم قدس سره على الاستدلال المذكور : بأن ظاهر الآية الشريفة الاخبار بوقوع التعذيب ، سابقا بعد البعث ، فيختص بالعذاب الدنيوي الواقع في الأمم السابقة .
[١] سورة الإسراء : ١٥ .