المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ٤٥٣ - الرابع في دوران الأمر بين التعيين والتخيير في الحجية ومقام الامتثال
نظير مسألة الدوران بين الأقل والأكثر الارتباطيين عند الاقتصار على الأقل ، أما هنا فمع الخروج عن مقتضى التعيين يعلم بحصول أحد الغرضين ، بل امتثال تكليفه بناء على الترتب ، غاية الامر أنه يحتمل مرجوحيته وكون الآخر الذي لم يمتثل هو الأهم الذي يجب امتثاله دونه .
فلا مجال لما تقدم في توجيه وجوب الاحتياط هناك من الشك في تحقق امتثال التكليف المعلوم ، لأن الشك هنا في وجوب امتثال التكليف الآخر المحتمل الأهمية ، لا في تحقق امتثاله ، كما هو الحال هناك .
إذا عرفت هذا ، فاعلم أنه يظهر من بعض المحققين قدس سره أن الأصل عند الدوران بين التعيين والتخيير في باب التزاحم يقتضي البراءة وعدم التعيين ، لان ذلك إنما يكون مع احتمال الأهمية في أحد الطرفين بخصوصه ، وحيث كان ذلك مساوقا لاحتمال مساواة الطرف الآخر له ومانعيته من فعلية التكليف فيه ، كان راجعا إلى الشك في ثبوت التكليف الذي هو مجرى البراءة .
وفيه : أن عدم فعلية التكليف في أحد المتزاحمين بسبب الآخر ليس لقصور في ملاكه وجعله ، ليرجع فيه للبراءة ، بل لكون المزاحم عذرا مسوغا لتفويته ، كتعذره ، وحيث كان ذلك مختصا بصورة مساواة المزاحم أو أهميته ، فمع احتمال مرجوحية المزاحم وعدم احتمال أهميته لا يعلم بكونه عذرا رافعا لفعلية المزاحم فيجب الاحتياط في المزاحم ، لعدم إحراز العذر عنه ، كما يجب الاحتياط مع الشك في القدرة ، أو في أصل المزاحمة ، أو في تحقق المزاحم ، لما هو المعلوم من أنه لا يجوز الاتكال على احتمال العذر ، بل لابد من اليقين بوجوده ، بخلاف الطرف الآخر ، فإنه يعلم بمزاحمته بما يمنع من فعليته ، لكونه أهم منه أو مساويا له ، فيقطع بوجود العذر المسوغ له ، فلا محذور في تركه .
وبالجملة : يجب المحافظة على محتمل الأهمية دون الآخر ، للشك في العذر المسوغ للترك في الأول ، والعلم به في الثاني ، ولا يصح الاتكال على