المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١٨٨ - الكلام في أن التخيير ابتدائي أو استمراري
المستقلات العقلية بناء على التحسين والتقبيح ، لظهور أن وظيفة العقل ليست إلا إدراك الحسن والقبح الملزمين بنظر العقل للمولى بجعل الحكم على طبقهما ، وليس عمل المكلف مترتبا على استقلال العقل بالحسن والقبح إلا بضميمة استكشاف الحكم الشرعي المقتضي لحفظ الملاك من قبل الشارع بما يستتبعه من الثواب والعقاب الصالحين للداعوية بملاك دفع الضرر ، الذي هو أمر فطري ، وإلا فالحكم العقلي بمجرده لا يكفي في الداعوية وحفظ الملاك .
وأما الثاني فهو قد يستند لجعل المولى للحجج والأصول المنجزة لمؤداها بحكم العقل ، كما قد يستقل به العقل ، كما في موارد الظن الانسدادي بناء على الحكومة . وقد يستند إلى السبب التكويني ، وهو العلم ، بناء على ما سبق منا في مباحث القطع من كون ترتب العمل عليه ذاتيا لا يستند لحكم عقلي أو شرعي ، وأما الثالث فهو مما يستقل به العقل الحاكم بوجوب إطاعة المولى بملاك شكر المنعم ، أو ثبوت الحق له ، بالنحو المقتضي لاستحقاق العقاب ، الصالح للداعوية ، وليس الحكم المذكور مما يمكن الردع عنه شرعا ، إلا أن يرجع إلى رفع موضوعه ، وهو التكليف الشرعي ، أو رفع منشأ تنجيزه لو كان مستندا له .
هذا كله في فرض كون عمل المكلف إطاعة للتكليف ثبوتا ، فلو فرض الشك في ذلك لم ينهض ما سبق باحداث الداعي للمكلف نحو العمل ، لان ما سبق إنما يقتضي لزوم الإطاعة الواقعية ثبوتا في رتبة سابقة على الشك .
بل لابد في فرض الشك من أمر آخر مترتب على ما سبق ، وهو حكم العقل بلزوم إحراز الفراغ عن التكليف المنجز ، وعدم الأمان من مسؤولية التكليف بدونه ، وهو مفاد قاعدة الاشتغال المسلمة عند الكل ، ومن الظاهر أن حكم العقل المذكور طريقي في طول حكمه بوجوب الإطاعة الواقعية ، وليس عينه .