المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١٨٣ - الكلام في أن التخيير ابتدائي أو استمراري
لزوم الموافقة القطعية فلابد أن يكون لأهمية تجنب المخالفة القطعية من تحصيل الموافقة القطعية بنظر العقل ، وهو مستلزم لترجيحه عند المزاحمة .
قلت : ليس ملاك العلية التامة هو الأهمية ، بل إن المنع عن المخالفة القطعية بعد فرض فعلية التكليف يستلزم الردع عن تنجيز العلم الاجمالي وعدم ترتب العمل عليه ، أو عن وجوب إطاعة التكليف ، وكلاهما ممتنع مع كون منجزية العلم ذاتية ووجوب الإطاعة من المستقلات العقلية ، بخلاف الترخيص في ترك الموافقة القطعية ، وهذا لا يقتضي الترجيح بينهما في المقام ، لأن جواز المخالفة القطعية في بعض الوقائع ليس لعدم منجزية العلم الاجمالي في نفسه ، ولا لعدم وجوب إطاعة التكليف ، بل لمزاحمتها بالموافقة القطعية في الواقعة الأخرى .
مع أنه لو فرض أن ملاك ذلك هو الأهمية فهو أجنبي عما نحن فيه ، لوضوح أن مخالفة العلم الاجمالي القطعية مستلزمة لفوت موافقته أيضا ، فالموافقة القطعية فائتة على كل حال ، وليس الممنوع منه إلا المخالفة القطعية زائدا عليها . أما في المقام فالمخالفة القطعية في بعض الوقائع مستلزمة لحصول الموافقة القطعية في الأخرى وليست الموافقة القطعية فائتة على كل حال . ولعله يأتي في الفصل الآتي ما ينفع في المقام .
ثم إنه كما يكون التخيير استمراريا إذا كان تعدد الواقعة لتعدد أفراد الموضوع الطولية بحسب أجزاء الزمان ، كذلك يكون التخيير انحلاليا إذا كان تعدد الواقعة لتعدد أفراد الموضوع العرضية ، كما لو تردد الامر في يوم بين وجوب إكرام العلماء وحرمة إكرامهم ، فإنه كما يتخير المكلف بين إكرام الكل وترك إكرامهم فلا يلزم إلا المخالفة الاحتمالية في الكل ، كذلك له التفريق بينهم ، المستلزم للمخالفة القطعية في بعضهم والموافقة القطعية في بعض ، لعين ما تقدم .