صيانة القرآن من التحريف - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧ - مزعومة نسخ التلاوة
قال: فصحّ أنّ الآيات التي ذهبت، لو امر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله بتبليغها لبلّغها، و لو بلّغها لحفظت و ما ضرّها موته، كما لم يضرّ موته كلّ ما بلّغ من القرآن. و إن كان لم يبلّغ أو بلّغه فانسيه هو و الناس أو لم ينسوه لكن لم يأمر عليه السلام أن يكتب في القرآن، فهو منسوخ بيقين، من عند اللّه تعالى، لا يحلّ أن يضاف إلى القرآن.[١]
هذه جلّ محاولات القوم في توجيه منسوخ التلاوة دون الحكم.
غير أنّ أثر الوهن باد عليها بوضوح:
أوّلا: لا شكّ أنّ رجم المحصن حكم ثابت في الشريعة و أمر به رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و لم يزل عليه إجماع الفقهاء في القديم و الحديث.
أمّا أنّ شريعة الرجم نزلت آية من القرآن، فهذا وهم وهمه ابن الخطاب، و لم يوافقه على هذا الرأي أحد من الصحابة رغم إصراره عليه، و سيأتي شرحه.
يحدّثنا زيد بن ثابت، يقول: سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله يقول: «إذا زنى الشيخ و الشيخة فارجموهما البتة». و المراد من الشيخ و الشيخة هما الثيّب و الثيّبة، كناية عن المتزوّج و المتزوّجة أي المحصن. فهذا حديث سمعه زيد عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و لم يقل أنّه قرآن.
لكن ابن الخطاب زعمه وحيا قرآنيا، يقول: لمّا نزلت أتيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله فقلت:
اكتبنيها. فلم يجبه رسول اللّه. قال راوي الحديث: كأنّه كره ذلك.[٢]
قلت: لعلّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله استغرب اقتراح عمر آنذاك الناشىء عن عدم تدبّره اللائق بشأن الكتاب، أو عدم إلمامه بمواضع الكتاب من السنّة، و من ثمّ سكت تأنيبا له.
و أسوء منه ما فهمه ابن حزم من هذا الحادث، فحمل كراهته صلّى اللّه عليه و اله على عدم رغبته في الثبت في المصحف. و إذا كان حكما قرآنيا ثابتا في الشريعة فلما ذا لا يثبت سنده في الكتاب؟ الأمر الذي تغافله ابن حزم، و حبّ الشيء يعمي و يصمّ!
ثانيا: لا نسخ في غير الأحكام- كما سلف- فضلا عن عدم فائدة متوخّاة من وراء هذا النسخ غير المعقول، إذ ما هي الحكمة في نسخ آية فيبقى حكمها ثابتا بلا مستند مع
[١] - المحلّى، ج ١١، ص ٢٣٥- ٢٣٦.
[٢] - المصدر، ص ٢٣٥.