صيانة القرآن من التحريف - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤ - مزعومة نسخ التلاوة
التحريف بالمعنى، و كانت جرأتهم على هذا التصرّف في تفسير البشارات هي التي مكّنتهم من مقابلة النبي صلّى اللّه عليه و اله بالإنكار و الجحود.
و قال الزمخشري: «يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَواضِعِهِ»[١] أي يميلونه عنها[٢] و اللفظ إذا لم يفسّر وفق ظاهره أو بحسب القرائن فقد اميل عن موضعه.
و الخلاصة: كان تحريف العهدين الذي أشار إليه القرآن إمّا بسوء التأويل- أي التصرّف في تفسيرهما بغير الحقّ، من غير أن يمسّوا يدا إلى لفظ الكتاب- أو مع تغيير في لهجة التعبير عند النطق بالكتاب، كما قال تعالى: «وَ إِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَ ما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ ما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ».[٣]
لأنّ اللفظ إذا لهج به على غير لهجته الاولى لم يكن نفسه و إنّما هو غيره، و إنّما كانوا يعمدون إلى ذلك ذريعة لكتمان الحقيقة و إخفاء البشائر بمقدم نبيّ الإسلام صلّى اللّه عليه و اله.
أمّا التحريف بمعنى الزيادة أو النقصان أو تبديل الكلم إلى كلمات غيرها- الذي هو معنى اصطلاحي- فلم يعهد استعماله في القرآن، حسبما عرفت.
مزعومة نسخ التلاوة
هناك مزعومة لهج بها كثير من أصحاب الحديث و جماعة من اصوليّ العامّة، حاولوا معالجة ما صحّ لديهم من روايات تنمّ عن ضياع كثير من آي القرآن، فحاولوا توجيهها باسلوب مختلق، قالوا: إنّها من منسوخ التلاوة، و لو فرض الحكم باقيا مع الأبد. كما في آية «الرضعات العشر» و آية «رجم الشيخ و الشيخة» و آية «لا يملأ جوف ابن آدم إلّا التراب» و غيرهنّ كثير، حسبوها آيات قرآنية، كانت تتلى على عهده صلّى اللّه عليه و اله، لكنّها رفعت فيما بعد و نسيت عن الصدور، و إن بقي حكمها واجب العمل أبدا. و بهذا الاسلوب الغريب
[١] - النساء ٤: ٤٦ و المائدة ٥: ١٣.
[٢] - الكشّاف، ج ١، ص ٦٣٣.
[٣] - آل عمران ٣: ٧٨.