صيانة القرآن من التحريف - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥ - مزعومة نسخ التلاوة
حاولوا توجيه ما عساه كان ثابتا لديهم من صحاح الأحاديث.[١] و أمّا علماؤنا المحقّقون فقد شطبوا على هكذا روايات تخالف صريح القرآن، و لم يصحّ لديهم شيء من أسانيدها بتاتا، و لأنّ كتاب اللّه العزيز الحميد أعزّ شأنا و أعظم جانبا من أن يحتمل التحريف.
هذا مضافا إلى أنّ توجيه الغلط غلط آخر بل أفحش، الأمر الذي ارتكبه القوم مع الأسف.
هذا الإمام المحقّق الاصولي محمد بن أحمد السرخسي، بينما ينكر أشدّ الإنكار مسألة وقوع النسخ بعد وفاة الرسول صلّى اللّه عليه و اله تراه يعترف بمسألة نسخ التلاوة دون الحكم، و يؤوّلها إلى إمكان سبق النسخ على الوفاة مع خفائه على الصحابة الأوّلين!
قال: و أمّا نسخ التلاوة مع بقاء الحكم فبيانه- فيما قال علماؤنا-: إنّ صوم كفّارة اليمين ثلاثة أيّام متتابعة، بقراءة ابن مسعود: «فصيام ثلاثة أيّام متتابعات». و قد كانت هذه قراءة مشهورة إلى زمن أبي حنيفة. و لكن لم يوجد فيه النقل المتواتر الذي يثبت بمثله القرآن. و ابن مسعود لا يشكّ في عدالته و إتقانه. فلا وجه لذلك إلّا أن نقول: كان ذلك ممّا يتلى في القرآن كما حفظه ابن مسعود، ثمّ انتسخت تلاوته في حياة الرسول صلّى اللّه عليه و اله بصرف اللّه القلوب عن حفظها إلّا قلب ابن مسعود ليكون الحكم باقيا بنقله، فإنّ خبر الواحد موجب للعمل به، و قراءته لا تكون دون روايته، فكان بقاء هذا الحكم بعد نسخ التلاوة بهذا الطريق.[٢]
انظر إلى هذا التمحّل الباهت و التأويل الغريب:
أوّلا: كلّ ما ذكره بهذا الصدد لا يعدو تخرّصا بالغيب من دون استناد إلى شاهد أو دليل قاطع، و من ثمّ فهي محاولة عمياء تجاه أمر واقع- فيما زعموا صحّته- الأمر الذي يشبه علاج القضية بعد وقوعها علاجا من غير جدوى.
[١] - و للقاضي أبي بكر الباقلاني( ت ٤٠٣) محاولة عريضة هنا بصدد الدفاع عن مواضع بعض السلف حيث نسب إليهم من القول بنقص الكتاب عمّا كان عليه في حياة الرسول صلّى اللّه عليه و اله من قبيل آية الرجم و غيرها. فحاول إثبات أنّها من منسوخ التلاوة إن صحّت النسبة، و إلّا فهو محال باطل ... راجع« نكت الانتصار» له، ص ٩٥- ١٠٨.
[٢] - الاصول للسرخسي، ج ٢، ص ٨٠.