صيانة القرآن من التحريف - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٦ - النوع الثاني ما قدمنا الإشارة إليه من قراءات منسوبة إلى بعض الأئمة،
و قد ذهب عنه أنّ ثلاثة من القرّاء السبعة، و هم: ابن كثير، و أبو عمرو، و حمزة، قرأوا بالخفض و ثلاثة و هم: ابن عامر، و نافع، و الكسائي، قرأوا بالنصب. و أمّا عاصم فقد قرأ بالوجهين، بالنصب برواية حفص، و بالخفض برواية شعبة![١] و قد نصّ عليه الشيخ في التهذيب.[٢]
على أنّ اختلاف القراءة لم يكن يوما مّا دليلا على مسألة التحريف!
ملحوظة: هذه الرواية ساقطة عندنا لا نعتبرها حجّة، لأنّ المفيد يرويها بإسناده إلى حمّاد عن محمّد بن النعمان (مشترك، و لو كان هو الأحول الثقة مؤمن الطاق لنصّ عليه) عن غالب بن هذيل أو أبي هذيل (مجهول الحال، لم يعرف سوى أنّه شاعر كوفي، و عدّه الشيخ من أصحاب الباقر ثمّ الصادق عليهما السّلام). و من ثمّ فالرواية من حيث الإسناد غير صحيحة.
و أمّا قراءة الخفض فمضافا إلى أنّها خلاف المشهور و لم يقرأ بها حفص و لا جمهور المسلمين (و هو الشرط الأوّل لصحّة القراءة)، كانت على خلاف ضوابط الإعراب، (و الشرط الثاني لصحة القراءة هو كونها موافقة مع الضوابط اللغوية المعروفة).[٣]
توضيح ذلك: أنّ العامّة حملوا قراءة النصب على إرادة العطف على مدخول الغسل، أي اغسلوا وجوهكم و أيديكم و أرجلكم، و من ثمّ حصل الفصل بين العاطف و المعطوف عليه بالأجنبي، و هو: «و امسحوا برؤوسكم». و هو حمل ساقط، لأنّ الفصل بالأجنبي غير جائز في اللغة الفصحى.
نعم، حمله الشيخ الرضي قدّس سرّه على إرادة العطف على محلّ المجرور. و ذلك لأنّ المسح ممّا يتعدّى بنفسه من غير حاجة إلى دخول الباء، لكن لمّا كان الواجب هو إمرار اليد المبتلّة بالرأس إمرارا من غير اعتبار الاستيعاب دخلت الباء على الممسوح دلالة على كفاية مجرّد إمرار المسّ، أي صرف لصوق هذا الفعل بهذا المحلّ و من ثمّ زيدت الباء. و بما
[١] - حجّة القراءات لأبي زرعة، ص ٢٢١ و ٢٢٣.
[٢] - تهذيب الأحكام، ج ١، ص ٧١.
[٣] - راجع اختيارنا في ضابط القبول في الجزء الثاني من التمهيد،« ملاك صحة القراءة»، فى صورة الكلمة، و« دفاع ملثوم».