صيانة القرآن من التحريف - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٧ - النوع الثاني ما قدمنا الإشارة إليه من قراءات منسوبة إلى بعض الأئمة،
أنّه بأوّل حصول الفعل (المسح) يحصل الامتثال فيسقط الأمر و لا دليل على الإدامة و الاستيعاب.[١]
و أمّا مسح الرجلين فيجب استيعابهما إلى الكعبين، و من ثمّ كان عطفا على محلّ المجرور، أي و امسحوا أرجلكم إلى الكعبين، نظير «و اغسلوا أيديكم إلى المرافق». بدليل بيان الحدّ، و هو نهاية المحلّ المغسول في اليد، و الممسوح في الرجل.
أمّا إذا قرئ بالخفض فمعناه: المسح ببعض الرجل و هو غير مراد.
و من ثمّ كانت قراءة النصب هي المتوافقة مع ضابط القبول فهي الحجّة المعتبرة عندنا لا غير.
٢- روى الكليني بإسناده عن عمران بن ميثم، قال: قرأ رجل عند أمير المؤمنين عليه السّلام:
«فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَ لكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ».[٢]
قال: بلى و اللّه لقد كذّبوه أشدّ التكذيب، و لكنّها مخفّفة: لا يكذبونك: لا يأتون بباطل يكذبون به حقّك.[٣]
قلت: على فرض صحة الإسناد، فإنّ التشديد و التخفيف اختلاف في القراءة، الأمر الذي لا يمسّ مسألة التحريف كما نبّهنا.
و قوله: «لا يأتون بباطل» بيان ل «لا يكذبونك».
و قوله: «و لكنّها مخفّفة» أراد به باب الإفعال من الإكذاب بمعنى بيان كذب الرجل و فضحه، أمّا التفعيل من التكذيب فهو محض الإنكار و عدم تصديقه.
فالمعنى: انّهم لا يقتصرون على مجرّد الإنكار و رفض الدعوة. بل يحاولون بشتّى الوسائل في إبطال شريعته و نقض رسالته، بما يقومون من أعمال خبيثة لكنّهم بهذه المحاولة إنّما يقاومون رسالة اللّه و يجحدون بآياته.
و هذا هو الفارق بين بابي الإفعال و التفعيل، تخفيفا و تثقيلا، الأمر الذي ينمّ عن دقّة
[١] - من إفادات شيخنا الحكيم الإلهي المحقّق الشيخ محمد رضا الاصفهاني الجرقوئي طيّب اللّه رمسه.
[٢] - الأنعام ٦: ٣٣.
[٣] - الكافي، ج ٨، ص ٢٠٠، رقم ٢٤١.