صيانة القرآن من التحريف - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٩ - ٢٧ - مأساة كتاب«الفرقان»!
كانت في سورة الشعراء[١]- في قصّة نوح- «من المخرجين» و في قصّة لوط[٢] «من المرجومين». فغيّر التي في قصّة نوح و جعلها «من المرجومين» و جعل التي في قصّة لوط «من المخرجين»![٣] و أمثال ذلك من مزاعم تافهة يرفضها كلّ ذي لبّ سليم، إذ ما شأن الحجّاج الملتهي بسياسته الغاشمة و التدخّل في شؤون الدين و القرآن العظيم!! إنّها سفاسف لاكتها ألسن بذيّة من ذوي الأحلام الفارغة لا تشعر ماذا تقول و لا تحمل مسؤولية أمانة الكلام.
و قد أخذ ابن الخطيب هذه القصّة الخيالية من مصاحف السجستاني برواية عبّاد بن صهيب عن عوف.[٤] غير أنّ عبّاد هذا متروك الحديث لدى أئمة الفنّ مغموز فيه بالكذب و الاختلاق. نعم سوى أبي داود كان يأخذ بحديثه.[٥] قال الإمام الحافظ محمد بن حبان:
كان قدريا داعيا إلى القدر، و مع ذلك يروي المناكير عن المشاهير التي إذا سمعها المبتدئ في هذه الصناعة شهد لها بالوضع.[٦] و منها هذه الحكاية المضحكة! و قد اعتمدها ابن الخطيب و عرضها كأصل مسلّم به مع الأسف!
و أخيرا أتى بقراءات معزوّة إلى الصحابة على خلاف قراءة المشهور المتداولة بين المسلمين منذ الصدر الأوّل حتّى اليوم، في حين أنّها رويت بأخبار آحاد لا حجّية فيها و لا تصلح سندا لاعتبار، و النصّ القرآني هو الثابت بالتواتر القاطع بإجماع المسلمين، إذن فكيف يصحّ إسناد ما يخالف التواتر إلى الصحابة الأوّلين، و هم أعرف بالنصّ الأصل الذي أخذوه من فم النبي الأكرم صلّى اللّه عليه و اله، و نحن نربأ بأمثالهم أن يخالفوا النصّ المتواتر عن النبي الكريم. إن هذا إلّا نسبة مكذوبة يتحاشاها مقامهم الرفيع، و لا سيّما المنسوب إلى مولانا أمير المؤمنين عليه السّلام[٧] و قراءتنا الحاضرة هي قراءته عليه السّلام برواية حفص عن عاصم عن
[١] - الآية رقم ١١٦.
[٢] - الآية رقم ١٦٧.
[٣] - الفرقان، ص ٥٠- ٥٢.
[٤] - المصاحف لأبي داود السجستاني، ص ٤٩- ٥٠.
[٥] - راجع: المغني للذهبي، ج ١، ص ٣٢٦، برقم ٣٠٣٧.
[٦] - كتاب المجروحين من المحدّثين و الضعفاء و المتروكين، ج ٢، ص ١٦٤.
[٧] - الفرقان، ص ١٠٦.