صيانة القرآن من التحريف - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤ - المقدمة
الإلحادية التي كانت تنفثها أحلام جاهلية أولى، كسرا لشوكة الإسلام، و حطّا من كرامة القرآن، هيهات، و قد خاب ظنّهم، «يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ وَ اللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ».[١]
قال الخوارزمي[٢]- معرّضا بآل اميّة-: فما قدروا على دفن حديث من أحاديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و اله و لا على تحريف آية من كتاب اللّه تعالى جلّ شأنه ...[٣]
*** هذا، و قد حاول جماعة من أهل النظر معالجة تلكم الروايات بأشكال فنّية، لكن من غير جدوى، بعد أن زعموا صحّة أسانيدها و صراحة مداليلها في وقوع التحريف في نصّ الكتاب العزيز. و انتهوا أخيرا إلى اختلاق مسألة «نسخ التلاوة» المعلوم بطلانها وفق قواعد علم الأصول. و من ثمّ إمّا قبولا لها على علّاتها و الأخذ بها و الإفتاء وفق مضامينها- كما فعله فريق- نظرا لصحّة أسانيدها فيما زعموا، أو رفضا لها رأسا بعد عدم إمكان التأويل.
هذا ابن حزم الأندلسي- و هو الفقيه الناقد- يرى الرجم مستندا إلى كتاب اللّه، لما رواه بإسناده عن ابيّ بن كعب، قال: كم تعدّون سورة الأحزاب؟ قيل له: ثلاثا أو أربعا و سبعين آية. قال: إن كانت لتقارن سورة البقرة أو لهي أطول منها. و إن كان فيها لآية الرجم، و هي: «إذا زنى الشيخ و الشيخة فارجموهما البتة نكالا من اللّه و اللّه عزيز حكيم»!
قال ابن حزم: هذا إسناد صحيح كالشمس لا مغمز فيه. ثمّ قال: و لكنّها ممّا نسخ لفظها و بقي حكمها.[٤] و سنتكلّم عن هذا التعليل العليل.[٥]
[١] - الصف ٦١: ٨.
[٢] - هو أبو بكر محمد بن العباس الخوارزمي، أصله من آمل بطبرستان. كان يرى أبا جعفر بن جرير الطبري صاحب التاريخ و التفسير خاله. و هو القائل:
|
بآمل مولدي، و بنو جرير |
فأخوالي، و يحكي المرء خاله |
|
|
فها أنا رافضيّ عن تراث |
و غيري رافضيّ عن كلاله |
|
[٣] - رسائل الخوارزمي، ص ١١٧.
[٤] - المحلّى لابن حزم، ج ١١، ص ٢٣٥.
[٥] - و لا يخفى عليك أنّه أوّل من ألصق تهمة القول بالتحريف إلى الشيعة الإمامية، و شنّع عليهم ظلما و زورا، في حين أنّه في اختياره هذا يكون أولى بالتشنيع، راجع: الفصل في الملل و النحل، ج ٤، ص ١٨٢.