صيانة القرآن من التحريف - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١١٦ - لمحة خاطفة عن تاريخ العهدين
و كذا العهد الجديد المشتمل على (٢٧) كتابا و رسالة، منها الأناجيل الأربعة المعروفة، و هي جميعا قصّة حياة المسيح عليه السّلام، و فيها من تعاليمه الشيء الكثير حسب رواية مؤلّفيها.
و هذه الكتب قد فقدت نسخها الأصليّة، و بقيت تراجمها بلغات غير لغتها الاولى.
و من ثمّ فالتحريف إنّما كان في هذه التراجم بالذات و ليس في الأصل.
لعلّك تقول: فما تصريح القرآن بوجود التوراة عندهم و فيها حكم اللّه.[١] و كذا ترغيبهم في العمل بالكتابين و إقامة ما فيهما من تعاليم و أحكام.[٢] فلو لا وجودهما لحدّ ذلك الوقت- على الأقل- لما كان لذلك التصريح و هذا الترغيب وجه وجيه.
لكن يجب أن لا نتغافل مسألة المجاراة في التسمية. قوله تعالى: «قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فَاتْلُوها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ».[٣] أي فأتوا بهذه التي تسمّونها التوراة، فإنّ فيها التحريم و التحليل الذي كان لبني إسرائيل، حسب زعمكم.
و قوله: «وَ عِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ»[٤] أي في هذا الموجود الحاضر أيضا قسط وافر من شريعة اللّه. لو عملتم بها لكان خيرا لكم. لكنّكم «تَجْعَلُونَهُ قَراطِيسَ تُبْدُونَها وَ تُخْفُونَ كَثِيراً».[٥]
أمّا الآن فقد جاء الإسلام ليبدي ما كنتم تكتمون «قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ».[٦]
قال الحجّة البلاغي: بل سمّاه التوراة لأنّ اسم ذلك الكتاب (العهد القديم و لا سيّما الأسفار الخمسة) عند اليهود توراة، فجاراهم في التسمية لكي يجادلهم بالتي هي أحسن.[٧]
قلت: و من ثمّ عبّر عنهم في سورة آل عمران: ٢٣ و في سورة النساء: ٤٤ و ٥١
[١] - الآية: ٤٣ من سورة المائدة.
[٢] - المائدة ٥: ٦٦ و ٦٨. و آل عمران ٣: ٩٣.
[٣] - آل عمران ٣: ٩٣.
[٤] - المائدة ٥: ٤٣.
[٥] - الأنعام ٦: ٩١.
[٦] - المائدة ٥: ١٥.
[٧] - الرحلة المدرسية، ج ٢، ص ٣٣.