لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٩٠ - الفصل العاشر فى تفسير الاسم الأعظم لله سبحانه و تعالى
جرم إذا ذكر العبد ربه فى مثل ذلك الوقت بأى اسم كان، فقد ذكره بأعظم الأسماء، و متى ذكر العبد ربه بأعظم الأسماء لزم فى كرمه و رحمته وجوده أن يخص ذلك العبد بأعظم أنواع الجود و الكرم، و ما ذاك إلا بأن يخلصه من دركات العذاب و يوصله إلى درجات الثواب، فلهذا المعنى قال عليه الصلاة و السلام «من كان آخر كلامه لا إله إلا اللّه دخل الجنة».
و قال قائلون: الاسم الأعظم للّه تعالى اسم معين، و القائلون بهذا القول فريقان.
منهم من قال إنه معلوم للخلق، و منهم من قال إنه غير معلوم للخلق. أما القائلون بأنه معلوم للخلق فقد اختلفوا فيه على أقوال. القول الأول أن الاسم الأعظم للّه تعالى قولنا (هو) و القائلون بهذا القول إذا أرادوا المبالغة فى الدعاء قالوا يا هو، يا من لا هو إلا هو، يا من به هوية كل هو، و احتجوا على هذا القول بوجوه.
الحجة الأولى أن (هو) كناية عن فرد موجود على سبيل الغيبة و الفردانية، و الوجود و الغيبة عن كل الممكنات من الصفات الواجبة للحق سبحانه و تعالى الدالة على غاية العز و العلو و الكبرياء، أما الوجود فله بذاته و من ذاته و لغيره من غيره، و أما الفردانية فالفرد المطلق من كل الوجوه ليس إلا هو، و أما الغيبة عن كل الممكنات فلأنه يستحيل أن يكون حالا فى غيره أو محلا لغيره أو متصلا بغيره أو منفصلا عن غيره فإذا لا مناسبة بينه و بين شيء من الممكنات أصلا، فثبت أن الصفات التى يدل عليها قولنا (هو) لا يليق إلا به سبحانه و تعالى، فكانت هذه الكلمة أخص أسمائه سبحانه و تعالى.
الحجة الثانية: أن افتقار الخلق إلى الخالق مقرر فى العقول و كأنه بلغ فى الظهور إلى غاية درجة العلوم الضرورية، و لهذا قال تعالى «وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ» «١» فقولنا (هو) إشارة إلى ذلك الوجود الّذي شهدت فطر الخلائق و عقولهم بافتقار كل الممكنات إليه: فكلمة (هو) دالة على أنه
______________________________
(١) جزء من الآية ٢٥ من سورة لقمان، ٣٨ من سورة الزمر.