لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٦ - الفصل السادس فيما يدل على فضل ذكر الله تعالى باسمائه و صفاته
بمتابعته فى قوله «أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً» «١» لا جرم أنزل اللّه تعالى سورة الفاتحة على هذا الترتيب، و ذلك لأن هذه السورة هى معراج المتعبدين فقال «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ. الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ. مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» «٢» و هذا كله ثناء محض ثم قال «إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ» «٣» و هذا كله ثناء ممزوج بالسؤال ثم قال:
«اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ» «٤» إلى آخر السورة، و هو سؤال محض، فهذا هو الإشارة إلى بداية حال إبراهيم عليه الصلاة و السلام. و أما نهاية حاله فاعلم أنه قد اقتصر على الذكر و ترك الطلب إلا على سبيل الرمز، فقال حين رمى فى المنجنيق إلى النار حسبى من سؤالى علمه بحالى، فهذا نهاية حال الخليل عليه الصلاة و السلام. و أما الحبيب صمات اللّه و سلامه عليه، فإنه جعل نهاية إبراهيم عليه الصلاة و السلام بداية لحالة نفسه فقال: «أعوذ بعفوك من غضبك و أعوذ برضاك من سخطك و أعوذ بك منك لا أحصى ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك، و فى هذه الكلمات مباحثات. أحدها: أن الألفاظ الثلاثة الأول أثنية ممزوجة بالطلب، و متى كان الإنسان فى مقام الطلب كان مشغولا بنفسه، فعزل نفسه و انقطع نظره عن نفسه فقال «لا أحصى ثناء عليك» ثم لما صار فانيا عما سوى اللّه و صار باقيا فى اللّه قال «أنت كما أثنيت على نفسك». و ثانيها: قال بعضهم إنه عليه الصلاة و السلام إنما ذكر هذه الكلمات ليلة المعراج بين الجنة و النار فقال لا ألتفت إلى الجنة فإنها لو كانت نافعة بنفسها لم يقع لآدم فيها زلة، و لا ألتفت إلى النار إذ لو كانت محرقة بذاتها لما صارت بردا و سلاما على إبراهيم، و لكن أترك جنتك و أتمسك بعفوك و أترك النار و أخاف عقابك. بالفارسية:
|
سوزنده آتش نيست خشم تو أست |
نوازنده بهشت نيست رضاى تو أست |
|