لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٥٨ - الفصل السادس فيما يدل على فضل ذكر الله تعالى باسمائه و صفاته
و إن كانت عالية الدرجة لكنها غير لائقة بك من وجوه. الأول: إن كلها يدل على طلب حصة النفس. و الثانى: إنه إن كان التقدير هو الوصال فأى فائدة فى السؤال، و إن كان التقدير هو الفراق فأى فائدة لهذا السؤال؟! و الثالث إنا عصمناك قبل وجودك عن ذل الفراق و الحجاب فلما عصمناك من هذه المحنة قبل السؤال فما فائدة هذا السؤال، فعند هذا قال لا أحصى ثناء عليك، و هذا اعتراف بأن علم الخلق فى حضرته جهل و قدرتهم عجز و فصاحتهم: عىّ، و كأنه قيل له مرة أخرى أنت فى المقام الأول كنت مشتغلا بقدرتك على الاستعاذة و فى هذا المقام صرت مشتغلا بعجزك عن الاستعاذة، فأنت فى الحالين مشغول بصفاتك
و ما لم ينقطع نظر الرجل عما سوى اللّه تعالى لا يصل إلى اللّه تعالى، فعند هذا قال «أنت كما أثنيت على نفسك» فقوله «لا أحصى» نفى و قوله «أنت كما أثنيت على نفسك» إثبات، و هذا الأمر لا يتم إلا بالنفى و الإثبات، ثم عبر عن ذلك النفى بكلمة «لا» و عن ذلك الإثبات بكلمة «إلا» فصار المجموع قوله «لا إله إلا اللّه» فصار هذا معراجا لعامة العالمين، كما أن الأول معراج لسيد المرسلين.
و لنرجع إلى الآثار الدالة على فضيلة الذكر.
الثانى: قال الضحاك بن قيس: اذكره فى الرخاء يذكرك فى الشدة، فإن يونس عليه السلام لما ذكره حين وقع فى البلاء صار سجنه مفتوحا و ذكره مقبولا لأجل أنه كان ذاكرا قبل زمان البلاء، بدليل قوله سبحانه و تعالى «فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ» «١» و أما فرعون فإنه ما ذكره إلا عند نزول البلاء و هو وقت الغرق، فلا جرم ما صار مقبولا بدليل قوله «آلْآنَ وَ قَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَ كُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ» «٢».
الثالث: قال بعض المشايخ للذكر خواص أربع. أحدها: الدوام، قال اللّه تعالى
______________________________
(١) الآيتان ١٤٣، ١٤٤ من سورة الصافات.
(٢) الآية ٩١ من سورة يونس.