لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٣ - الطريقة الأولى طريقة الإلهين من الفلاسفة فى النظر إلى صفات الله
و اعلم أن سبب اضطراب العقلاء فى إثبات الصفات و نفيها مقدمتان وقفنا فى العقول على سبيل التعارض. إحداهما: أن الوحدة كمال و الكثرة نقصان فصارت هذه المقدمة داعية إلى المبالغة فى التوحيد حتى انتهى الأمر إلى نفى الصفات. و المقدمة الأخرى: أن الموجود الّذي يكون قادرا على جميع المقدورات عالما بجميع المعلومات حيا حكيما سميعا بصيرا لا شك أنه أكمل من الموجود الّذي لا يكون قادرا و لا عالما و لا حيا بل يكون شيئا لا شعور له بشيء مما صدر عنه و لا قدرة له على الفعل و الترك، فصارت هذه المقدمة داعية للعقول إلى إثبات هذه الصفات، و لما كانت ماهيات هذه الصفات مختلفة متغايرة وجب الاعتراف بالكثرة فى صفات اللّه تعالى، ثم وقعت العقول فى الحيرة و الدهشة بسبب تعارض هاتين المقدمتين، و مقصود كل واحد من الفريقين إثبات الكمال للّه تعالى و الجلال و نفى النقصان عنه، فالنفاة حاولوا إثبات الكمال و الوحدانية، و المثبتون حاولوا إثبات الكمال فى الإلهية، و الأذكياء من العقلاء احتالوا فى وجه التوفيق بين هاتين المقدمتين و حاصل ما ذكروه طرق أربع:
الطريقة الأولى: طريقة الإلهين من الفلاسفة فى النظر إلى صفات اللّه
و هى أن صفات اللّه تعالى نوعان سلبية و هى المسماة فى القرآن بالجلال، و إضافية و هى المسماة فى القرآن بالإكرام و إليه الإشارة بقوله «ذِي الْجَلالِ وَ الْإِكْرامِ» «١» ثم قالوا أما كثرة السلوب فلا توجب كثرة فى الذات، بدليل أن كل ماهية فردة بسيطة، فلا بد و أن يصدق عليها سلب كل ما عداها عنها، و ذلك يدل على أن كثرة السلوب لا تقدح فى وحدة الذات، و أما كثرة الإضافات نهى أيضا لا توجب كثرة فى الذات بدليل أن أبعد الأشياء عن الكثرة هو
______________________________
(١) جزء من الآية ٧٨ من سورة الرحمن.