لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٢ - الفصل الثالث فى شرح مذاهب أهل العلم فى الأسماء و الصفات
عبروا عن هذه الشبهة بأن الإلهية لو كانت موقوفة على ثبوت هذه الصفات لكانت الذات محتاجة في تحصيل الإلهية إلى تلك الصفات، و الحاجة إلى الشيء من لوازم النقص و أيضا فالمحتاج إليه أقوى من المحتاج فيلزم كون الصفة أقوى من الذات و كل ذلك محال.
الحجة الرابعة: قالوا جميع الأديان و الملل شاهدة بانه لا بد من الإقرار بالوحدانية: قال سبحانه و تعالى: «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» «١» و قال «لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ» «٢» و معلوم أن النصارى لا يثبتون ذواتا ثلاثة متباينة بل يثبتون ذاتا واحدة موصوفة بالأقانيم، و مرادهم بالأقانيم الصفات؛ فدل هذا على أنه تعالى إنما كفّرهم لقولهم بكثرة الصفات. فهذا مجموع شبه منكرى الصفات.
و الجواب على الشبهة الأولى: لم لا يجوز أن يقال: الصفات الممكنة لذواتها واجبة بوجود الذات، قوله يلزم أن يكون البسيط قابلا و فاعلا؟ قلنا لم لا يجوز ذلك أ ليس أن حقيقته مقتضية الوجود و الوحدة و التعيين موصوفة بها. قوله:
كل مفتقر إلى الغير محدث. قلنا ينتقض بالوجود و الوحدة و التعيين بأنها من لوازم ذاته أزلا و أبدا.
و الجواب عن الشبهة الثانية: لم لا يجوز أن تكون الذات موجبة لتلك الصفات ثم الذات الموصوفة بتلك الصفات تكون موجدة للمخلوقات؟
و الجواب عن الشبهة الثالثة: أن الذات لما كانت موجبة لهذه الصفات كانت الذات مستكملة بنفسها لا بغيرها.
و الجواب عن الشبهة الرابعة: أن النصارى أثبتوا قدماء مستقلة بأنفسها، ألا ترى أنهم جوزوا على الأقانيم الحلول فى بدن مريم و عيسى عليهما السلام، و نحن لا نقول بإثبات قدماء مستقلة بأنفسها؛ فظهر الفرق فهذا هو الجواب عن الشبه.
______________________________
(١) الآية ١ من سورة الإخلاص.
(٢) جزء من الآية ٧٣ من سورة المائدة.