لوامع البينات شرح أسماءالله تعالى و الصفات - الرازي، فخر الدين - الصفحة ٣٢١ - القول فى تفسير اسميه(المقدم - المؤخر)
سائر الأنبياء، و بعدهم الأولياء، و درجاتهم متأخرة على الإطلاق عن درجات الأنبياء، بدليل قوله عليه الصلاة و السلام لأبى بكر و عمر: «هذان سيدا كهول أهل الجنة ما خلا النبيين و المرسلين» الحديث. فهذا يقتضي تفضيلهما على سائر الأولياء، و قوله «ما خلا النبيين» يقتضي أن لا يكون أحد أفضل من الأنبياء و إذا كان كذلك لزم القطع بأن كل الأنبياء أفضل من كل الأولياء.
فأما بيان درجات الأولياء فصعب، و أظهر الآيات فى بيان ذلك قوله:
«فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ» «١» فيشبه أن يكون ترتيب الأولياء فى درجات الفضيلة بحسب ما فى هذه الآية من الترتيب.
و اعلم أن حصول التفاوت فى هذه الدرجات ليس إلا من اللّه، و بيانه من وجوه.
الأول: قوله «إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ» «٢»
الثانى: أن الشخصين اللذين أقدم أحدهما على الطاعات، و الآخر على المحظورات، ما لم يحصل فى قلب أحدهما إرادة فعل الطاعة، و فى قلب الآخر إرادة فعل المعصية، لم يصر أحدهما مقبلا على الطاعة، معرضا عن المعصية، و الآخر بالعكس ثم حصول تلك الإرادة إن كان لأجل المزاج المخصوص فخالق ذلك المزاج هو الّذي حمل صاحبه على ذلك الفعل، و إن كان لا لأجل المزاج، بل لأجل أن الخالق خلق تلك الإرادة ابتداء فى قلبه، فخالق الإرادة هو الّذي حمله على ذلك الفعل.
الثالث: أنه تعالى وصف ضلال بعضهم، فقال: «وَ لَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ» «٣» بين أنهم كالمجبورين على الضلال، و وصف هداية البعض، فقال. «كَأَنَّها
______________________________
(١) جزء من الآية ٦٩ من سورة النساء.
(٢) جزء من الآية ٥٦ من سورة القصص.
(٣) جزء من الآية ٢٨ من سورة الأنعام.