الوهابية بين المباني الفكرية والنتائج العملية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤٧٠
روى أصحاب السِّيَر والتاريخ، أنّه لمّا احتضر إبراهيم ابن النبي، جاء (صلى الله عليه وآله وسلم) فوجده في حجر أُمّه، فأخذه ووضعهُ في حجره، وقال: «يا إبراهيم إنّا لن نغني عنك من اللّه شيئاً ـ ثمّ ذرفت عيناه ـ وقال: إنّا بك يا إبراهيم لمحزونون، تبكي العين ويحزن القلب ولا نقول ما يسخط الربّ، ولولا أنّه أمرٌ حقٌّ ووعدٌ صدقٌ وأنّها سبيل مأتيّة لحزَنّا عليك حزناً شديداً أشدّ من هذا».
ولمّا قال له عبد الرحمان بن عوف: أو لم تكن نهيت عن البكاء؟ أجاب بقوله: «لا، ولكن نهيتُ عن صوتين أحمقين وآخرين، صوت عند مصيبة وخمش وجوه وشقّ جيوب ورنّة شيطان، وصوت عند نغمة لهو، وهذه رحمة، ومن لا يَرحم لا يُرحَم».[١]
وليس هذا أوّل وآخر بكاء منه (صلى الله عليه وآله وسلم) عند ابتلائه بمصاب أعزّائه، بل بكى (صلى الله عليه وآله وسلم) على ابنه «طاهر» وقال: «إنّ العين تذرف، وإنّ الدمع يغلب والقلب يحزن، ولا نعصي اللّه عزّ وجلّ».[٢]
وقد قام العلاّمة الأميني في موسوعته الكبيرة «الغدير» بجمع موارد كثيرة بكى فيها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والصحابة والتابعون على موتاهم وأعزّائهم عند افتقادهم، وإليك نصّ ما جاء به ذلك المتتبع الخبير.
وهذا هو (صلى الله عليه وآله وسلم) لمّا أُصيب حمزة (رضي الله عنه) وجاءت صفيّة بنت عبد المطلّب () تطلبه، فحال بينها و بينه الأنصار، فقال (صلى الله عليه وآله وسلم) : دعوها، فجلست عنده فجعلت إذا بكت بكى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، و إذا نشجت نَشَجَ،
[١] السيرة الحلبية:٣/٣٤٨.
[٢] مجمع الزوائد للهيثمي:٣/٨.