الوهابية بين المباني الفكرية والنتائج العملية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٢٤٨
فكما ثبت في الآية الأُولى أنّ «التوفّي» ليس بمعنى الإماتة، بل بمعنى الأخذ والقبض والاستيفاء حيث قال تعالى:(اللّهُ يَتَوفّى الأَنْفُس حينَ مَوتِها)، فهكذا الكلام في الآية الثانية حيث إنّها أشارت إلى أنّ الإنسان في واقعه يتكوّن من قسمين أساسيين، هما:
الف: البدن والجسم الظاهري، وهذا هو الذي يضل في التراب بعد الموت، وهو الذي يتحوّل إلى ذرّات متناثرة هنا وهناك، بل قد يتحوّل إلى مواد أُخرى أثر التفاعلات الكيمياوية وغيرها من العوامل.
ب: القسم الثاني والذي يمثّل حقيقة الإنسان وبه قوام شخصيته، والذي عبّر عنه في الآية الكريمة بلفظ «كم» الوارد في قوله: (يتوفاكم)، فهذا هو جوهر شخصية الإنسان وحقيقته، وانّ الذي يتوفّاه ملك الموت ويأخذه وينتزعه من الجسد، ليس إلاّ الجانب الأصيل الذي به تناط شخصيته وتتقوّم به حقيقته، وهو محفوظ عند اللّه تعالى.
وفي الحقيقة انّ الآية المباركة قد أشارت في مقام الجواب إلى برهان علمي وهو: انّ الذي يضل في التراب من الإنسان ـ بسبب الموت ـ هو القشر والبدن، وأمّا حقيقته وهي الروح الإنسانية التي بها قوام شخصيته، فلا يطالها الفناء ولا ينالها الاندثار.
وهذا البيان يثبت وبجلاء انّ للإنسان ـ وراء بدنه الذي يفنى ـ واقعاً لا تطرأ عليه آثار المادة من الانعدام والضلال في الأرض أبداً.
إلى هنا وصلنا إلى هذه الحقيقة، وهي: أنّ الرؤية القرآنية متطابقة مع الحقائق التي أثبتتها البراهين الفلسفية والأدلّة العقلية والعلوم المعاصرة، والتي تتمثّل في أنّ حقيقة الإنسان وشخصيته تتقوّم في روحه ونفسه، لا في بدنه المادي.