الوهابية بين المباني الفكرية والنتائج العملية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٨٠
٢. سكّان سائر البلاد الإسلامية
أمّا سكّان البلاد والمدن الإسلامية الأُخرى فعليهم إذا أرادوا التوجّه إلى قبلة نفوسهم وحبيب قلوبهم ومهوى أفئدتهم، والسلام عليه، أن يقطعوا الفيافي، ويعانوا المتاعب، ويتحمّلوا وعثاء السفر، ومصاعب الطريق خاصة في العصور القديمة التي كانت فيها وسائط النقل بدائية أو معدومة أساساً.
ومن هنا يطرح التساؤل التالي نفسه: ما هو حكم هذا السفر وشدّ الرحال من وجهة النظر الشرعية؟
والجواب: إذا كانت زيارة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أمراً مطلوباً وعملاً مستحبّاً كما دلّت عليه الروايات المتضافرة والسيرة القطعية، يكون شدّ الرحال الذي هو بمنزلة المقدّمة أمراً مستحبّاً، بناءً على الملازمة بين استحباب الشيء واستحباب مقدّمته[١] كما عليه أكثر الأُصوليين.
نعم، ذهب بعض الأُصوليين إلى عدم الملازمة، ولكنّهم متّفقون على لزوم كون المقدّمة مباحة لا محرّمة، لاستلزامه التناقض في التشريع، حيث لا يعقل البعث إلى أمر، مع المنع عمّا يوصل المكلّف إليه، وعلى كلّ تقدير لا يصحّ تحريم السفر مع افتراض كون الزيارة أمراً راجحاً، وفعلاً مستحباً، فلا محيص من القول باستحبابه، أو إباحته، ولا تجتمع حرمة المقدّمة مع استحباب ذيها.
ولقد حدّثنا التاريخ الإسلامي أنّ سيرة المسلمين كانت قائمة ـ بعد رحيل الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ من عصر الصحابة إلى يومنا هذا على شدّ الرحال، والتوجّه إلى زيارة
[١] ذهب بعض المحقّقين إلى أنّ مقدّمة الأمر المستحب مستحبة أيضاً، وقد استدلّوا على ذلك بالآية ١٠٠ من سورة النساء،والآيات ١٢٠ـ ١٢١ من سورة التوبة.