الوهابية بين المباني الفكرية والنتائج العملية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٩٤
بل انّ تكرار هذا الخطر وتلك الفاجعة في الحضارة الإسلامية أخطر من غيرها، وذلك باعتبار أنّ الرسالة الإسلامية هي خاتمة الرسالات، وهي الرسالة الخالدة التي تسير مع الإنسان وترسم له طريقه إلى يوم القيامة، ولا شكّ أنّ الأجيال القادمة انّما تتبع هذه الرسالة، وتنهل من نميرها العذب إذا كانت تلك الأجيال على يقين من أحقية تلك الرسالة وعلى علم بواقعيتها وأصالتها، وممّا لا ريب فيه أنّ أحد العوامل الفاعلة والمهمة في ثبوت «قطعية» الرسالة وأصالتها، وتحكيم جذورها التاريخية، تكمن في الحفاظ على الآثار المتعلّقة بتاريخ الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) وجهاده وقيادته وحركته في المجتمع.
فصيانة هذه الآثار على وجه الإطلاق تضفي على الشريعة في نظر غير معتنقيها واقعية وحقيقة، وتزيل عن وجهها أيّ ريب أو شك في صحّة البعثة والدعوة، وجهاد الأُمّة ونضال المؤمنين.
ولقد بذل علماؤنا وسلفنا الصالح رحمهمُ اللّه جهوداً جبارة ومساعي مشكورة في مجال الحفاظ على ذلك التراث المهم، وأوصلوا الأمانة سالمة إلى الأجيال اللاحقة، وبذلك قدّموا خدمات عظيمة للأجيال من خلال ذلك العمل الرائع المتمثّل في صيانة الآثار وحفظها، ممّا كان له أثره الفاعل في النظر إلى الدين الإسلامي نظرة واقعية، وإلى الشخصيات الإسلامية نظرة قطعية لا ريب ولا تردّد فيها أبداً.
من هنا يستطيع المسلمون أن يتحدّثوا عن دينهم ويدعو الناس إليه بقوّة واطمئنان تامّين، فهم يواجهون العالم مرفوعي الرأس ويقولون: أيّها الناس لقد بعث رجل في أرض الحجاز قبل ١٤٠٠سنة لقيادة المجتمع البشري، وقد حقّق نجاحاً باهراً في مهمته التي استمرت ٢٣ عاماً موزّعة على مرحلتين: ١٣ عاماً منها في مكة، وعشرة منها في المدينة، وهذه آثار حياته محفوظة تماماً في مكة والمدينة،