الوهابية بين المباني الفكرية والنتائج العملية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١١٣
جديد يختلف عمّا سبقه على جميع الأصعدة. وقد يطلق على عملهم هذا لغة «البدعة» أو «البديع»، ومن هنا أُطلق مصطلح «البديع» على اللّه سبحانه نفسه، حيث قال تعالى: (بَدِيعُ السَّمواتِ والأرْضِ)،[١] لأنّه سبحانه قد ابتدع خلق السماوات والأرض والإنسان من دون مثال سابق.
والجدير بالذكر أنّ البدعة بهذا المعنى ليست هي محط بحثنا هنا، وبعبارة أُخرى: ليست هي موضوع التحريم والنهي الذي ورد في النصوص. وذلك لأنّ الدين لا يضاد الحداثة، ولا يخالف التجديد، سواء على الصعيد الفردي أو الاجتماعي، فالمجتمع البشري الآن يعيش حالة من التنوّع والتجديد في جميع نواحي حياته من المسكن والملبس والمركب والمشرب ووسائل التعليم وأساليبها و... بنحو يختلف اختلافاً جوهرياً عمّا كان عليه الإنسان في الماضي، وهذه الأُمور وإن كان التعريف اللغوي للبدعة يشملها بحيث يصحّ إطلاق لفظ البدعة لغة عليها، ولكن ذلك ليس من مصاديق البدعة في الاصطلاح والتي تعدّ من الذنوب الكبيرة.
ولقد حدّثنا المؤرّخون: انّ أوّل بدعة حدثت بعد رحيل رسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بين المسلمين أنّهم عمدوا إلى نخل الدقيق وفصل السبوس«قشور الحب» عنه، ولا ريب أنّ هذه الظاهرة الفتية تُعدّ بدعة مستحدثة في الحياة ليس لها سابقة، ولكن ذلك لا يعني أنّها من مصاديق البدعة التي قال بحرمتها فقهاء المسلمين. ومن هنا اقتضى الأمر البحث في بيان البدعة التي هي موضوع الحكم الشرعي، أي البدعة التي حرّمها الشارع ونهى عنها.
[١] البقرة:١١٧.