الوهابية بين المباني الفكرية والنتائج العملية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ١٣٩
باتوا على قُلَلِ الأجبال تحرسهم *** غلب الرجال فما أغنتهم القُلل
واستنزلوا بعد عزّ من معاقلهم *** فأُودعوا حفراً يابئس مانزلوا
ناداهم صارخ من بعد ما قبروا *** أين الأسرّة والتيجان والحُلَلُ
أين الوجوه التي كانت مُنعَّمة *** من دونها تُضرب الأستار والكلل
فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم *** تلك الوجوه عليها الدود يقتتل
أضحت منازلهم قفراً مُعَطّلة *** وساكنوها إلى الأجداث قد رحلوا[١]
وهكذا تجد كيف يستفيد الإمام من الصورة المرعبة والموحشة للقبر في ردع الطاغية عن غيّه، وهو في أشدّ حالات زهوه وبطره وتماديه.
الوقوف على قبور الأحبّة
لا ريب أنّ الذين يفقدون عزيزاً من أعزّتهم تبقى آثاره ـ رغم فقده ـ تلاعب مخيلتهم وذكره في قلوبهم، فلا ينسوه بحكم العلاقة العاطفية والآصرة الروحية التي تشدّهم إليه، ولذلك تجدهم دائماً يذكرونه ويجدّدون ذكراه، وبما أنّ الموت يفصل بينهم وبينه جسديّاً إلاّ أنّهم يعوضون ذلك باللقاء الروحي والمعنوي، سواء كان ذلك بصورة فردية أو جماعية فيجتمعون على قبره ويقيمون المراسم ويهدون لروحه ثواب الفاتحة، وغيرها من الأعمال التي يهدون ثوابها إليه.
إذاً الحزن على فقد العزيز وإقامة مراسم العزاء أو التأبين لفقده أمرٌ رائج بين عامّة الناس، وفي جميع إرجاء المعمورة، ومن هنا يمكن القول إنّ القضية لها جذور في فطرة الإنسان، وبمعنى آخر: انّ نفس القوّة التي تدفع الإنسان وتجذبه
[١] مروج الذهب:٤/٩٣.