الوهابية بين المباني الفكرية والنتائج العملية - السبحاني، الشيخ جعفر - الصفحة ٤١١
يشهد التاريخ الإسلامي ومنذ زمن طويل أنّ مسلمي العالم كانوا يحيون ذكرى ميلاد الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) حيث يعتلي الخطباء الخطاب المنابر، والمتحدّثون منصّات الحديث لبيان فضائله (صلى الله عليه وآله وسلم) والثناء عليه، وبيان السجايا الأخلاقية والخلق الرفيع الذي كان يتحلّى به (صلى الله عليه وآله وسلم) ، صحيح أنّ التاريخ لم يحدّد لنا الزمن الذي نشأت به تلك الظاهرة بصورة دقيقة، إلاّ أنّ المسلّم به هو أنّ جذورها تمتد إلى مئات السنين من عمر التاريخ الإسلامي، وأنّها كانت رائجة في مختلف أقطار العالم الإسلامي.
فهذا أحمد بن محمد المعروف بالقسطلاني من مشاهير أواخر القرن التاسع وأوائل القرن العاشر (المتوفّى ٩٢٣هـ) ينقل لنا صورة عن سيرة المسلمين في الاحتفاء بذكرى الرسول الأكرم وتكريم تلك المناسبة، إذ يقول:
ولا زال أهل الإسلام يحتفلون بشهر مولده(عليه السلام)، ويعملون الولائم، ويتصدّقون في لياليه بأنواع الصدقات، ويظهرون السرور، ويزيدون في المبرّات، ويعتنون بقراءة مولده الكريم، ويظهر عليهم من بركاته كلّ فضل عميم. وممّا جرب من خواصه أنّه أمان في ذلك العام، وبشرى عاجلة بنيل البغية والمرام، فرحم اللّه امرءاً اتّخذ ليالي شهر مولده المبارك أعياداً، ليكون أشدّ علّة على من في قلبه مرض وأعياه داء.[١]
[١] المواهب اللدنية:١/١٤٨.