إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٤٩ - و أكثر القلوب قد فتحتها جنود الشياطين و تملكتها
الملائكة عليهم السلام،صار قلبه مستقر الملائكة و مهبطهم. و لما كان لا يخلو قلب عن شهوة و غضب،و حرص و طمع و طول أمل،إلى غير ذلك من صفات البشرية المتشعبة عن الهوى،لا جرم لم يخل قلب عن أن يكون للشيطان فيه جولان بالوسوسة،و لذلك قال صلى اللّه عليه و سلم[١]«ما منكم من أحد إلاّ و له شيطان»قالوا و أنت يا رسول اللّه!قال «و أنا إلاّ أنّ اللّه أعاننى عليه فأسلم فلا يأمر إلاّ بخير» و إنما كان هذا لأن الشيطان لا يتصرف إلا بواسطة الشهوة،فمن أعانه اللّه على شهوته،حتى صارت لا تنبسط إلا حيث ينبغي و إلى الحد الذي ينبغي،فشهوته لا تدعو إلى الشر،فالشيطان المتدرع بها لا يأمر إلا بالخير. و مهما غلب على القلب ذكر الدنيا بمقتضيات الهوى،وجد الشيطان مجالا فوسوس،و مهما انصرف القلب إلى ذكر اللّه تعالى،ارتحل الشيطان و ضاق مجاله،و أقبل الملك و ألهم.و التطارد بين جندي الملائكة و الشياطين في معركة القلب دائم،إلى أن ينفتح القلب لأحدهما فيستوطن و يستمكن و يكون اجتياز الثاني اختلاسا
و أكثر القلوب قد فتحتها جنود الشياطين و تملكتها
،فامتلأت بالوساوس الداعية إلى إيثار العاجلة،و إطراح الآخرة.و مبدأ استيلائها اتباع الشهوات و الهوى،و لا يمكن فتحها بعد ذلك إلا بتخلية القلب عن قوت الشيطان،و هو الهوى و الشهوات،و عمارته بذكر اللّه تعالى،الذي هو مطرح أثر الملائكة.و قال جابر بن عبيدة العدوي:شكوت إلى العلاء بن زياد ما أجد في صدري من الوسوسة،فقال إنما مثل ذلك مثل البيت الذي يمر به اللصوص،فإن كان فيه شيء عالجوه،و إلا مضوا و تركوه.يعنى أن القلب الخالي عن الهوى لا يدخله الشيطان.و لذلك قال اللّه تعالى إِنَّ عِبٰادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطٰانٌ [١]فكل من اتبع الهوى فهو عبد الهوى لا عبد اللّه.و لذلك سلط اللّه عليه الشيطان و قال تعالى أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلٰهَهُ هَوٰاهُ [٢]و هو إشارة إلى أن من الهوى إلهه و معبوده،فهو عبد الهوى لا عبد اللّه.و لذلك قال عمرو بن العاص للنبي صلى اللّه عليه و سلم يا رسول اللّه، [٢]حال الشيطان بيني و بين صلاتي و قراءتي،فقال«ذلك شيطان يقال له خنزب فإذا
[١] الإسراء:٦٥
[٢] الجاثية:٢٣