إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥ - اللفظ الأول لفظ القلب
من أصابع الرحمن،و أنه كيف يهوى مرة إلى أسفل السافلين،و ينخفض إلى أفق الشياطين و كيف يرتفع أخرى إلى أعلى عليين،و يرتقى إلى عالم الملائكة المقربين و من لم يعرف قلبه ليراقبه و يراعيه،و يترصد لما يلوح من خزائن الملكوت عليه و فيه فهو ممن قال اللّه تعالى فيه نَسُوا اللّٰهَ فَأَنْسٰاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ [١]فمعرفة القلب و حقيقة أوصافه أصل الدين،و أساس طريق السالكين و إذ فرغنا من الشطر الأول من هذا الكتاب من النظر فيما يجرى على الجوارح من العبادات و العادات،و هو العلم الظاهر،و وعدنا أن نشرح في الشطر الثاني ما يجرى على القلب من الصفات المهلكات و المنجيات،و هو العلم الباطن،فلا بد أن نقدم عليه كتابين كتابا في شرح عجائب صفات القلب و أخلاقه،و كتابا في كيفية رياضة القلب و تهذيب أخلاقه.ثم نندفع بعد ذلك في تفصيل المهلكات و المنجيات.فلنذكر الآن من شرح عجائب القلب بطريق ضرب الأمثال ما يقرب من الأفهام،فإن التصريح بعجائبه و أسراره الداخلة في جملة عالم الملكوت ما يكل عن دركه أكثر الأفهام.
بيان
معنى النفس و الروح و القلب و العقل و ما هو المراد بهذه الأسامي
اعلم أن هذه الأسماء الأربعة تستعمل في هذه الأبواب،و يقل في فحول العلماء من يحيط بهذه الأسامي،و اختلاف معانيها و حدودها و مسمياتها.و أكثر الأغاليط منشؤها الجهل بمعنى هذه الأسامي،و اشتراكها بين مسميات مختلفة.و نحن نشرح في معنى هذه الأسامي ما يتعلق بغرضنا
اللفظ الأول:لفظ القلب
،و هو يطلق لمعنيين.أحدهما اللحم الصنوبري الشكل المودع في الجانب الأيسر من الصدر،و هو لحم مخصوص،و في باطنه تجويف،و في ذلك التجويف دم أسود،هو منبع الروح و معدنه. و لسنا نقصد الآن شرح شكله و كيفيته،إذ يتعلق به غرض الأطباء، و لا يتعلق به الأغراض الدينية.و هذا القلب موجود للبهائم
[١] الحشر:١٩