إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٦ - فمن أبوابه العظيمة الغضب و الشهوة
و يجره البعض إلى البعض،بحيث لا يجد محيصا. فنعوذ باللّه من تضييع أوائل الأمور.
و إليه الإشارة بقوله صلى اللّه عليه و سلم[١]«من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه»
بيان
تفصيل مداخل الشيطان إلى القلب
اعلم أن مثال القلب مثال حصن، و الشيطان عدو يريد أن يدخل الحصن.فيملكه و يستولى عليه.و لا يقدر على حفظ الحصن من العدو إلا بحراسة أبواب الحصن و مداخله و مواضع ثلمة.و لا يقدر على حراسة أبوابه من لا يدرى أبوابه.فحماية القلب من وسواس الشيطان واجبة،و هو فرض عين على كل عبد مكلف.و ما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو أيضا واجب.و لا يتوصل إلى دفع الشيطان إلا بمعرفة مداخله.فصارت معرفة مداخله واجبة.و مداخل الشيطان و أبوابه صفات العبد،و هي كثيرة،و لكنا نشير إلى الأبواب العظيمة الجارية مجرى الدروب،التي لا تضيق عن كثرة جنود الشيطان
فمن أبوابه العظيمة الغضب و الشهوة
،فإن الغضب هو غول العقل، و إذا ضعف جند العقل هجم جند الشيطان.و مهما غضب الإنسان لعب الشيطان به،كما يلعب الصبي بالكرة.فقد روى أن موسى عليه السلام،لقيه ابليس،فقال له يا موسى أنت الذي اصطفاك اللّه برسالته و كلمك تكليما،و أنا خلق من خلق اللّه أذنبت،و أريد أن أتوب،فاشفع لي إلى ربي أن يتوب علىّ،فقال موسى نعم.فلما صعد موسى الجبل،و كلم ربه عز و جل، و أراد النزول،قال له ربه أدّ الأمانة.فقال موسى يا رب،عبدك إبليس يريد أن تتوب عليه،فأوحى اللّه تعالى إلى موسى،يا موسى قد قضيت حاجتك،مره أن يسجد لقبر آدم حتى يتاب عليه.فلقي موسى إبليس،فقال له قد قضيت حاجتك،أمرت أن تسجد لقبر آدم حتى يتاب عليك.فغضب و استكبر،و قال لم أسجد له حيا أ أسجد له ميتا!ثم قال يا موسى إن لك علىّ حقا بما شفعت لي إلى ربك.فاذكرني عند ثلاث لا أهلكك فيهن،أذكر في حين تغضب فإن روحي في قلبك،و عينى في عينك،و أجرى منك مجرى الدم أذكرني