إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٤ - بيان
فإذا علم أنه من أحب شيئا يلزمه فراقه،و يشقى لا محالة لفراقه،شغل قلبه بحب ما لا يفارقه و هو ذكر اللّه تعالى،فإن ذلك يصحبه في القبر و لا يفارقه.و كل ذلك يتم بالصبر أولا أياما قلائل،فإن العمر قليل بالإضافة إلى مدة حياة الآخرة.و ما من عاقل إلا و هو راض باحتمال المشقة في سفر و تعلم صناعة و غيرها شهرا،ليتنعم به سنة أو دهرا.و كل العمر بالإضافة إلى الأبد أقل من الشهر بالإضافة إلى عمر الدنيا.فلا بد من الصبر و المجاهدة،فعند الصباح يحمد القوم السري، و تذهب عنهم عمايات الكرى،كما قاله علي رضي اللّه عنه
و طريق المجاهدة و الرياضة لكل إنسان تختلف بحسب اختلاف أحواله.
و الأصل فيه أن يترك كل واحد ما به فرحه من أسباب الدنيا.فالذي يفرح بالمال،أو بالجاه، أو بالقبول في الوعظ، أو بالعز في القضاء و الولاية،أو بكثرة الأتباع في التدريس و الإفادة فينبغي أن يترك أولا ما به فرحه.فإنه إن منع عن شيء من ذلك،و قيل له ثوابك في الآخرة لم ينقص بالمنع،فكره ذلك،و تألم به،فهو ممن فرح بالحياة الدنيا و اطمأن بها.و ذلك مهلك في حقه.ثم إذا ترك أسباب الفرح،فليعتزل الناس،و لينفرد بنفسه،و ليراقب قلبه،حتى لا يشتغل إلا بذكر اللّه تعالى،و الفكر فيه.و ليترصد لما يبدو في نفسه من شهوة و وسواس،حتى يقمع مادته مهما ظهر،فإن لكل وسوسة سببا،و لا تزول إلا بقطع ذلك السبب و العلاقة،و ليلازم ذلك بقية العمر،فليس للجهاد آخر إلا الموت
بيان
علامات حسن الخلق
اعلم أن كل إنسان جاهل بعيوب نفسه.فإذا جاهد نفسه أدنى مجاهدة،حتى ترك فواحش المعاصي، ربما يظن بنفسه أنه قد هذب نفسه،و حسن خلقه،و استغنى عن المجاهدة فلا بد من إيضاح علامة حسن الخلق.فإن حسن الخلق هو الإيمان،و سوء الخلق هو النفاق و قد ذكر اللّه تعالى صفات المؤمنين و المنافقين في كتابه.و هي بجملتها ثمرة حسن الخلق و سوء الخلق.فلنورد جملة من ذلك،لتعلم آية حسن الخلق