إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٣ - الرابع تصميم العزم على الالتفات
و من همّ بحسنة فعملها كتبت له إلى سبعمائة ضعف.و من همّ بسيّئة فلم يعملها لم تكتب عليه،و إن عملها كتبت»و في لفظ آخر، «و إذا تحدّث بأن يعمل سيّئة فأنا أغفرها له ما لم تعملها»و كل ذلك يدل على العفو فأما ما يدل على المؤاخذة،فقوله سبحانه وَ إِنْ تُبْدُوا مٰا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحٰاسِبْكُمْ بِهِ اللّٰهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشٰاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشٰاءُ [١]و قوله تعالى وَ لاٰ تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً [٢]فدل على أن عمل الفؤاد كعمل السمع و البصر فلا يعفى عنه.و قوله تعالى وَ لاٰ تَكْتُمُوا الشَّهٰادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ [٣]و قوله تعالى لاٰ يُؤٰاخِذُكُمُ اللّٰهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمٰانِكُمْ وَ لٰكِنْ يُؤٰاخِذُكُمْ بِمٰا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ [٤]و الحق عندنا في هذه المسألة لا يوقف عليه،ما لم تقع الإحاطة بتفصيل أعمال القلوب، من مبدأ ظهورها،إلى أن يظهر العمل على الجوارح فنقول
أول ما يرد على القلب الخاطر.
كما لو خطر له مثلا صورة امرأة،و أنها وراء ظهره في الطريق،لو التفت إليها لرآها
و الثاني:هيجان الرغبة إلى النظر.
و هو حركة الشهوة التي في الطبع.و هذا يتولد من الخاطر الأول.و نسميه ميل الطبع،و يسمى الأول حديث النفس
و الثالث:حكم القلب بأن هذا ينبغي أن يفعل
،أي ينبغي أن ينظر إليها.فإن الطبع إذا مال،لم تنبعث الهمة و النية ما لم تندفع الصوارف.فإنه قد يمنعه حياء أو خوف من الالتفات.و عدم هذه الصوارف ربما يكون بتأمل.و هو على كل حال حكم من جهة العقل.و يسمى هذا اعتقادا،و هو يتبع الخاطر و الميل
الرابع:تصميم العزم على الالتفات
،و جزم النية فيه.و هذا نسميه همّا بالفعل،و نية و قصدا.و هذا الهم قد يكون له مبدأ ضعيف.و لكن إذا أصغى القلب إلى الخاطر الأول حتى طالت مجاذبته للنفس،تأكد هذا الهم،و صار إرادة مجزومة. فإذا انجزمت الإرادة
[١] البقرة:٢٨٤
[٢] الاسراء:٣٦
[٣] البقرة:٢٨٣
[٤] المائدة:٨٩