إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٣ - و أصل الأشياء و موجدها و مخترعها هو اللّه عز و جل
في كلمة واحدة،فقال تعالى وَ أَمّٰا مَنْ خٰافَ مَقٰامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوىٰ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوىٰ [١]و الأصل المهم في المجاهدة الوفاء بالعزم. فإذا عزم على ترك شهوة فقد تيسرت أسبابها و يكون ذلك ابتلاء من اللّه تعالى و اختبارا،فينبغي أن يصبر و يستمر.فإنه إن عود نفسه ترك العزم ألفت ذلك،ففسدت.و إذا اتفق منه نقض عزم،فينبغي أن يلزم نفسه عقوبة عليه،كما ذكرناه في معاقبة النفس،في كتاب المحاسبة و المراقبة.و إذا لم يخوف النفس بعقوبة غلبته،و حسنت عنده تناول الشهوة،فتفسد بها الرياضة بالكلية.
بيان
علامات أمراض القلوب و علامات عودها إلى الصحة
اعلم أن كل عضو من أعضاء البدن خلق لفعل خاص به.و إنما مرضه أن يتعذر عليه فعله الذي خلق له،حتى لا يصدر منه أصلا،أو يصدر منه مع نوع من الاضطراب. فمرض اليد أن يتعذر عليها البطش.و مرض العين أن يتعذر عليها الإبصار.و كذلك مرض القلب أن يتعذر عليه فعله الخاص به،الذي خلق لأجله،و هو العلم و الحكمة و المعرفة،و حب اللّه تعالى و عبادته،و التلذذ بذكره،و إيثاره ذلك على كل شهوة سواه،و الاستعانة بجميع الشهوات و الأعضاء عليه.قال اللّه تعالى وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلاّٰ لِيَعْبُدُونِ [٢]ففي كل عضو فائدة.و فائدة القلب الحكمة و المعرفة،و خاصية النفس التي للآدمي ما يتميز بها عن البهائم،فإنه لم يتميز عنها بالقوة على الأكل و الوقاع و الإبصار أو غيرها،بل بمعرفة الأشياء على ما هي عليه
و أصل الأشياء و موجدها و مخترعها هو اللّه عز و جل
الذي جعلها أشياء.فلو عرف كل شيء،و لم يعرف اللّه عز و جل،فكأنه لم يعرف شيئا.و علامة المعرفة المحبة.فمن عرف اللّه تعالى أحبه.و علامة المحبة أن لا يؤثر عليه الدنيا و لا غيرها من المحبوبات،كما قال اللّه تعالى قُلْ إِنْ كٰانَ آبٰاؤُكُمْ وَ أَبْنٰاؤُكُمْ وَ إِخْوٰانُكُمْ وَ أَزْوٰاجُكُمْ [٣]إلى قوله
[١] النازعات:٤٠
[٢] الذاريات:٥٦
[٣] التوبة:٢٤