إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٦١ - الفائدة العاشرة أن يتمكن من الإيثار
و استغنى عن الناس،و استراح من التعب،و تخلى لعبادة اللّه عز و جل،و تجارة الآخرة فيكون من الذين لا تلهيهم تجارة و لا بيع عن ذكر اللّه،و إنما لا تلهيهم لاستغنائهم عنها بالقناعة و أما المحتاج فتلهيه لا محالة
الفائدة العاشرة:أن يتمكن من الإيثار
،و التصدق بما فضل من الأطعمة على اليتامى و المساكين،فيكون يوم القيامة في ظل صدقته،[١]كما ورد به الخبر .فما يأكله كان خزانته الكنيف،و ما يتصدق به كان خزانته فضل اللّه تعالى.فليس للعبد من ماله إلا ما لصدق فألقى،أو أكل فأفنى،أو لبس فأبلى .فالتصدق بفضلات الطعام أولى من التخمة و الشبع و كان الحسن رحمة اللّه عليه،إذ تلا قوله تعالى إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ عَلَى السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبٰالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولاً [١]قال عرضها على السموات السبع الطباق،و الطرائق التي زينها بالنجوم،و حملة العرش العظيم،فقال لها سبحانه و تعالى،هل تحملين الأمانة بما فيها؟قالت و ما فيها؟قال إن أحسنت جوزيت.و إن أسأت عوقبت.فقالت لا.ثم عرضها كذلك على الأرض،فأبت ثم عرضها على الجبال الشم الشوامخ الصلاب الصعاب،فقال لها هل تحملين الأمانة بما فيها؟قالت و ما فيها؟فذكر الجزاء و العقوبة،فقالت لا.ثم عرضها على الإنسان فحملها.
إنه كان ظلوما لنفسه،جهولا بأمر ربه.فقد رأيناهم و اللّه اشتروا الأمانة بأموالهم،فأصابوا آلافا،فما ذا صنعوا فيها؟وسعوا بها دورهم،و ضيقوا بها قبورهم،و أسمنوا براذينهم، و أهزلوا دينهم،و أتعبوا أنفسهم بالغدو و الرواح إلى باب السلطان ،يتعرضون للبلاء و هم من اللّه في عافية،يقول أحدهم تبيعني أرض كذا و كذا و أزيدك كذا و كذا،يتكئ على شماله،و يأكل من غير ماله،حديثه سخرة،و ماله حرام،حتى إذا أخذته الكظة،و نزلت به البطنة،قال يا غلام ائتني بشيء أهضم به طعامى.يا لكع،أ طعامك تهضم؟إنما دينك تهضم.أين الفقير؟ أين الأرملة؟أين المسكين؟أين اليتيم الذي أمرك اللّه تعالى بهم؟ فهذه إشارة إلى هذه الفائدة،و هو صرف فاضل الطعام إلى الفقير ليدخر به الأجر.
[١] الأحزاب:٧٢